التراشق بالماء و البيض و إطلاق المفرقعات أعمال تختصر اختفالات عاشوراء بسوس وسط تراجع التقاليد الموروثة

منذ اليوم الأول من السنة الهجرية الجديدة، تسمع أصوات المفرقعات في الأحياء الشعبية لمدينة أكادير وفي جنبات الثانويات، خاصة أثناء الدخول والخروج، فالتلاميذ الأشقياء يستمتعون بأصوات هذه المفرقعات، لاسيما عندما يشعلونها خفية ويتخلصون منها وسط مجموعة من التلاميذ والتلميذات.

أصوات هذه “القنابل” الصغيرة، والتراشق بالماء وأحيانا بالبيض، ووضع خليط ملون من سوائل وصبها خفية على البعض، خاصة على الفتيات، أعمال تختصر ما يقوم به بعض الشبان تعبيرا على احتفالهم بعاشوراء.

كل هذه السلوكات تدفع الكثير من المؤسسات التعليمية إلى مراقبة محافظ تلامذتها أو بعضهم تفاديا لبعض الحوادث التي يصعب التكهن بنتيجتها. كما تدفع رجال الأمن بالمدينة إلى البحث عن منابع المفرقعات تجنبا لأحداث مؤسفة.

تمثلات عامة

“لا نحتفل بعاشوراء، وكل ما أسمعه عندما تقترب هذه الأيام هو صوت المفرقعات، وحديث عن السحر والشعوذة، لقد سحروا لفلان، وفلانة مسحورة، وغير ذلك لا وجود لأي احتفال”، تقول خديجة من أيت ملول في حديث مقتضب لهسبريس.

قد لا يعني عاشوراء أي شيء سوى مجرد تمثلات تُحكى في المجالس المغلقة عن السحر والمجامر العجيبة التي تؤثر في مستقبل الناس وطباعهم بشكل غرائبي، وقد تعني هذه المناسبة فرصة للتعبير عن الفرح بواسطة هذه المفرقعات التي تزعج الناس ليلا وتخيف صغارهم، إلا أن هناك من ينتظر هذه المناسبة للاحتفال.

شعّالة

ما يزال في أكادير من يحتفل بهذه المناسبة، لاسيما كبار السن والذين نشؤوا في الأحياء الشعبية لأكادير، كثير منهم ما يزال يحتفظ بما توارثه عن الأجداد من عادات هذه المناسبة.

“نصوم ثلاثة أيام؛ يوم عاشوراء والذي قبله والذي بعده، ولدينا طقوس خاصة للاحتفاء بهذه الذكرى بأكادير”، تقول أمينة (43 سنة) في تصريح لهسبريس، ثم تزيد موضحة طريقة الترحيب بقدوم عاشوراء في سوس: “صباح يوم عاشوراء، نستيقظ باكرا، نقوم برش جميع أركان البيت بماء الزهر والماء العادي، نؤمن أن هذه المياه المباركة تجلب الحظ وتقي من العين الشريرة والسحر. بعد ذلك، نذهب إلى المقبرة للترحم على أمواتنا والدعاء لهم بالمغفرة وحسن المآب”.

وعن الوجبة التي يتم تحضيرها في هذا اليوم بالضبط، تورد أمينة في التصريح نفسه أن “الأسر السوسية تقوم بتحضير وجبة كسكس بلحم ذيل أضحية عيد الأضحى؛ إذ تحتفظ عدد من الأسر بهذه القطعة من لحم الأضحية كل هذه المدة من أجل طهيها مع الكسكس يوم عاشوراء”.

أما مساء يوم عاشوراء، تزيد المتحدثة “نقوم بوضع الجاوي في المجامر لجلب البركة وطرد النحس من بيوتنا، ثم نقوم بإشعال نار في إحدى ساحات حينا، ويقوم الصبيان باللعب، أما التراشق بالماء، فلم يكن بهذه الكمية التي يصبها الشبان على بعضهم البعض، مجرد قطرات فقط، نسميها زمزم، للتبرك”.

إيحاءَات شيعية

يرى الحسين بويعقوبي، أستاذ باحث في الثقافة الأمازيغية بجامعة ابن زهر، أن أهل سوس يعتبرون عاشوراء عيدا؛ ولذلك يقال في الأمازيغية “العيد ن أوعشور”، الذي يأتي مباشرة بعد “العيد ن تفاسكا”، أي عيد الأضحى. وبما أنه عيد، فهو يحظى بمكانة خاصة، باعتباره يدخل ضمن فترة زمنية أوسع مليئة بالمقدس تضم أيضا شهر رمضان ومناسك الحج.

وزاد بويعقوبي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “الاحتفال بعاشوراء يتم وفق طقوس كثيرة حسب المناطق، أهمها التراشق بالمياه، وإشعال النار ليلا وسط الدوار وفي الأحياء الشعبية والتناوب على القفز عليها”.

وعن دلالة الماء والنار في هذه الاحتفالات، قال الأستاذ الجامعي: “يؤول حضور الماء والنار إلى عمليتين مختلفتين؛ الحرق من جهة وإطفاء النار بالماء من جهة أخرى، وهي ربما إيحاءَات شيعية تحيل على مأساة الحسين بن علي بن أبي طالب المقتول في معركة كربلاء”.

وأضاف: “تقوم الفتيات في بعض الدواوير بالغناء إلى ساعات متأخرة من الليل، ويختمن السهرة بطقس يسمى أسروض ن ووشن (شكاية ضد الذئب) عن طريق المشي لمسافة معينة في اتجاه مكان معروف مسبقا مع إنشاد أهازيج مطلعها: نسرض إ ووشن د أوباغوغ سأيت همام، أي شكونا الذئب والثعلب لأيت همام”.

إمعشار

أثناء حديثه عن مناطق أخرى مثل تيزنيت وافران الأطلس الصغير، أورد بويعقوبي أن هناك في هذه المناطق من ينظم الحفلات التنكرية المعروفة بـ”إمعشار”، وهي عبارة عن “كرنفال” يعتمد على الأزياء التنكرية والأقنعة والعمل على كسر كل الطابوهات، خاصة المتعلقة بالجنس والدين والسياسة، إما بواسطة تقديم عروض مسرحية في الشارع، أو التلفظ بعبارات تعتبر في الحياة العادية “مخلة بالحياء” لكنها مقبولة في سياق الاحتفال؛ وهذا ما يجعل “عاشوراء” في المغرب ذات طابع احتفالي عكس سمة “الحزن” التي تخيم على المناسبة في المشرق.

ولم يخفِ المتحدث ذاته ظهور بعض الممارسات المرتبطة بالسحر والشعوذة، في حين يعتبر البعض صيام هذا اليوم فيه أجر ويتم خلاله أيضا تهييئ أكلات خاصة.

اندثار العادات

يرجع بويعقوبي اندثار هذه العادات في مناطق مختلفة إلى “التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، وظهور أفكار واهتمامات جديدة لدى شباب اليوم، وطرق ووسائل جديدة للترفيه جعلته في غنى عن هذه العادات، كما ظهرت بعض التيارات التي تحرم هذه الممارسات”.

وزاد الجامعي الأمازيغي: “مع ذلك، لازالت عاشوراء تحظى بمكانة خاصة لدى المغاربة، خاصة في البوادي، أما في المدن فقد عوضت المفرقعات إشعال النار وانتفت كل الطقوس المرتبطة بهذه الأخيرة، واختلط البيض والسوائل الحارقة بالماء، مما أفقد المناسبة طابعها الاحتفالي”. وضرب المثل بتزنيت حيث “يحاول المجتمع المدني تأطير وتنظيم كرنفال عاشوراء، في أفق أن يكون مثل الكرنفالات العالمية”.

عن الزميلة هسبريس بتصرف/ إعداد ميمون أم العيد

تعليقات
Loading...