عادت الاحتجاجات إلى قلب العاصمة التونسية، وسط تداخل واضح بين المطالب السياسية والغضب المتصاعد من غلاء المعيشة واضطراب الخدمات الأساسية، خصوصاً الانقطاعات المتكررة للماء والكهرباء خلال موجة حر استثنائية.
وشهد وسط تونس، السبت 25 يوليوز 2026، مسيرة معارضة للرئيس قيس سعيّد شارك فيها أكثر من 2500 شخص، وفق تقديرات نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية، في واحدة من أبرز التحركات الاحتجاجية التي عرفتها العاصمة خلال الأشهر الأخيرة.
ولم تقتصر شعارات المحتجين هذه المرة على المطالبة باستعادة الحريات وإطلاق سراح الموقوفين السياسيين، بل امتدت إلى انتقاد ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتعطل خدمات الماء والكهرباء، ما يعكس اتساع دائرة الغضب من الملفات السياسية إلى تفاصيل الحياة اليومية.
مسيرة من ساحة الجمهورية إلى شارع الحبيب بورقيبة
انطلقت المسيرة من ساحة الجمهورية في اتجاه المسرح البلدي بشارع الحبيب بورقيبة، رافعة الأعلام التونسية ولافتات ترفض ما تسميه المعارضة «مسار 25 يوليوز».
وردد المشاركون شعارات من بينها «ارحل» و«الشعب يريد إسقاط النظام»، إلى جانب شعار «حرية، شغل، كرامة وطنية»، الذي ارتبط باحتجاجات الثورة التونسية سنة 2011.
كما رفع متظاهرون شعارات تنتقد أزمة الخدمات الأساسية، من بينها: «لا ماء، لا ضوء.. كان الحبس والغلاء»، في إشارة إلى انقطاع الماء والكهرباء وارتفاع الأسعار وتزايد الملاحقات القضائية بحق معارضين وناشطين.
وبحسب تقرير للجزيرة، دعت إلى التحرك مبادرة «نَفَس»، وهي إطار يجمع أحزاباً وشخصيات مستقلة معارضة للرئيس قيس سعيّد. وطالب المشاركون أيضاً بإطلاق سراح الموقوفين في قضايا سياسية واستعادة الحريات العامة وحرية الصحافة.
تجمع مؤيد لقيس سعيّد في اليوم نفسه
لم يكن المشهد السياسي في العاصمة مقتصراً على معارضي الرئيس، إذ شهد محيط المسرح البلدي، صباح اليوم نفسه، تجمعاً لمؤيدين لقيس سعيّد، رفعوا خلاله شعارات تدعم مواصلة المسار السياسي الذي بدأ في 25 يوليوز 2021.
وجاء التجمعان في الذكرى التاسعة والستين لإعلان الجمهورية التونسية، التي تتزامن مع مرور خمس سنوات على الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها سعيّد، وشملت تجميد أعمال البرلمان وإقالة رئيس الحكومة، قبل حل المؤسسة التشريعية لاحقاً وإعادة بناء النظام السياسي على أساس دستور جديد.
ويرى أنصار الرئيس أن تلك الإجراءات أنقذت الدولة من الشلل السياسي، بينما تصفها المعارضة بأنها انقلاب على الدستور والمؤسسات المنتخبة. وقد عكس التجمعان المتعارضان استمرار الانقسام داخل الشارع التونسي بشأن حصيلة السنوات الخمس الماضية.
الماء والكهرباء يتحولان إلى وقود للاحتجاج
تزامنت المظاهرات مع أزمة حادة في التزود بالكهرباء والماء بعدد من المناطق التونسية، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الطلب على الطاقة.
وأقرت الشركة التونسية للكهرباء والغاز باللجوء إلى انقطاعات دورية ومتناوبة، موضحة أن الهدف منها حماية الشبكة الوطنية من الانهيار نتيجة ارتفاع الاستهلاك إلى مستوى قياسي بلغ نحو 6000 ميغاواط.
وعزا المدير العام للشركة جانباً من الضغط على الشبكة إلى الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف خلال ساعات الذروة، داعياً المواطنين إلى ترشيد الاستهلاك. غير أن هذه التفسيرات لم تمنع تصاعد الانتقادات، خاصة بعدما استمرت بعض الانقطاعات لساعات طويلة وأثرت في محطات ضخ المياه.
وأفادت تقارير تونسية بأن أزمة الخدمات أدت، قبل مظاهرة العاصمة، إلى تحركات محلية وقطع طرق في عدد من المناطق، فضلاً عن موجة واسعة من الغضب على شبكات التواصل الاجتماعي.
قيس سعيّد يطالب بإنهاء الانقطاعات الطويلة
أمام تصاعد الغضب، عقد الرئيس قيس سعيّد، يوم 22 يوليوز، اجتماعاً في قصر قرطاج حضره عدد من الوزراء ومسؤولو الشركة التونسية للكهرباء والغاز والشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه والحماية المدنية.
وتناول الاجتماع الانقطاعات المتكررة للماء والكهرباء، إضافة إلى الحرائق التي شهدتها مناطق تونسية بالتزامن مع موجة الحر.
واعتبر سعيّد أن الانقطاعات التي تجاوزت 24 ساعة في بعض المناطق «غير مقبولة»، وطالب بإنهائها فوراً، مع ضرورة إخبار المواطنين مسبقاً عندما تكون الانقطاعات حتمية، واختيار توقيت يقلل من آثارها على السكان والأنشطة الاقتصادية، وفق ما أورده موقع «ويب دو» التونسي.
البرلمان يناقش الأزمة في غياب الحكومة
انتقلت تداعيات الأزمة إلى البرلمان التونسي، حيث عقد مجلس نواب الشعب، الاثنين 27 يوليوز، جلسة عامة استثنائية لمناقشة آثار انقطاع الماء والكهرباء على المواطنين والقطاعات الاقتصادية.
وجاءت الجلسة بعد عريضة وقعها 29 نائباً طالبوا فيها بمساءلة الجهات الحكومية المعنية والحصول على توضيحات بشأن أسباب الانقطاعات ومستوى جاهزية الشبكات وبرامج الصيانة والاستثمار.
وناقش النواب تأثير انقطاع الكهرباء على محطات ضخ الماء وعلى الأنشطة التجارية والصناعية، إضافة إلى الخسائر التي تكبدتها المؤسسات في المناطق المتضررة.
لكن الجلسة انعقدت في غياب ممثلي الحكومة، وهو ما أثار انتقادات عدد من النواب، الذين اعتبروا أن ضعف التواصل الرسمي ساهم في انتشار الشائعات وتعميق أزمة الثقة. وطالبوا الحكومة بتقديم حلول واضحة وجدول زمني لتحديث شبكات الماء والكهرباء، بحسب تغطية جلسة البرلمان.
نمو اقتصادي لا يبدد ضغط الأسعار والبطالة
تأتي الاحتجاجات في وقت تشير فيه الأرقام الرسمية إلى تحسن نسبي في بعض المؤشرات الاقتصادية، لكنه لم ينعكس بالقدر نفسه على الأوضاع المعيشية لشرائح واسعة من التونسيين.
فقد أعلن المعهد الوطني للإحصاء نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.6 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الأول من سنة 2026، في مقابل تراجع فصلي بنسبة 0.3 في المائة مقارنة بالربع الأخير من سنة 2025.
كما استقر معدل البطالة عند 15 في المائة خلال الربع الأول، لكنه بلغ 37.5 في المائة في صفوف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، ووصل إلى 24.2 في المائة لدى خريجي التعليم العالي، وفق البيانات الرسمية للمعهد.
أما التضخم فبلغ 5.3 في المائة خلال يونيو 2026، في حين ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 7.1 في المائة على أساس سنوي. وشملت الزيادات خصوصاً لحوم الأغنام والأبقار والدواجن والأسماك والفواكه الطازجة، بحسب مؤشر الأسعار الرسمي.
وتساعد هذه الأرقام على تفسير حضور الغلاء والقدرة الشرائية بقوة في شعارات المتظاهرين، رغم تسجيل الاقتصاد نمواً إيجابياً على أساس سنوي.
ماذا عن حصيلة وفيات موجة الحر؟
بالتزامن مع الأزمة، أعلن رئيس المنظمة التونسية للأطباء الشبان، وجيه ذكار، تقديراً أولياً يتحدث عن تسجيل ما بين 150 و200 وفاة مرتبطة بضربات الشمس والإجهاد الحراري خلال الأيام الأشد حرارة.
وقالت المنظمة إن تقديراتها استندت إلى معطيات جُمعت من أطباء يعملون في عدد من المستشفيات التونسية، وسط حديث عن تأثر كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة بصورة خاصة.
لكن السلطات التونسية لم تصدر حصيلة رسمية بشأن هذه الوفيات، كما لم ترد وزارة الصحة التونسية على طلب وكالة الصحافة الفرنسية للتعليق.
لذلك، لا يمكن تأكيد الرقم بصورة مستقلة، ولا يصح ربط جميع الوفيات المتداولة مباشرة بانقطاع الكهرباء، إذ نسب التصريح الأصلي معظم الحالات إلى موجة الحر وضربات الشمس والإجهاد الحراري، مع احتمال أن تكون الانقطاعات قد فاقمت المخاطر الصحية لدى المرضى الذين يعتمدون على أجهزة طبية أو يحتاجون إلى التبريد المستمر.
لماذا تبدو الاحتجاجات الأخيرة مختلفة؟
تكمن أهمية تحرك 25 يوليوز في الجمع بين ثلاثة مستويات من المطالب: الحريات السياسية، والأوضاع الاقتصادية، وجودة الخدمات الأساسية.
فبعدما كانت معظم التحركات المعارضة لقيس سعيّد تركز على الدستور واستقلال القضاء وإطلاق سراح المعتقلين، أصبحت أزمة الماء والكهرباء وارتفاع الأسعار حاضرة بقوة في خطاب المحتجين.
ولا تعني مشاركة أكثر من 2500 شخص في مسيرة العاصمة وجود إجماع شعبي ضد الرئيس، خصوصاً أن أنصاره نظموا تجمعاً في اليوم نفسه. لكنها تكشف أن الاحتجاج السياسي بات قادراً على استقطاب مواطنين متضررين من مشكلات معيشية وخدماتية مباشرة.
كما أن انتقال الأزمة إلى البرلمان، ومطالبة نواب بمحاسبة الحكومة، يشيران إلى أن انقطاع الخدمات لم يعد يُعامل باعتباره مجرد عطل تقني، بل تحول إلى ملف سياسي يتعلق بقدرة الدولة على إدارة البنية التحتية والتواصل مع المواطنين خلال الأزمات.
تونس أمام اختبار الثقة والخدمات
تضع الاحتجاجات الأخيرة السلطات التونسية أمام تحدٍّ مزدوج: معالجة أزمة الماء والكهرباء بصورة عاجلة، والاستجابة للمطالب الاقتصادية والسياسية التي تتسع داخل الشارع.
فالتراجع المؤقت في عدد الانقطاعات مع انخفاض درجات الحرارة قد يخفف الاحتقان، لكنه لا يقدم حلاً دائماً لمشكلات الشبكات والاستثمارات والصيانة. كما أن استمرار غلاء المواد الغذائية وارتفاع بطالة الشباب قد يبقيان أسباب الغضب قائمة.
وبين تجمعات مؤيدة للرئيس ومسيرات تطالب برحيله، تبدو تونس بعد خمس سنوات من إجراءات 25 يوليوز أمام مرحلة جديدة، لم تعد فيها شرعية الخيارات السياسية منفصلة عن قدرة الدولة على توفير الماء والكهرباء وحماية القدرة الشرائية وضمان الحريات العامة.




