دخلت الحرب على إيران منعطفاً بالغ الحساسية، بعدما توقفت الضربات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران لليوم الثالث، وسط تحركات دبلوماسية تقودها قطر وباكستان وعُمان، مقابل استمرار التهديدات العسكرية واندلاع هجمات متفرقة في السعودية والأردن وشمال العراق.
ورغم انخفاض حدة المواجهة المباشرة، لا توجد حتى الآن هدنة رسمية موقعة، ولا آلية للتحقق من الالتزام بها، ولا جدول زمني واضح للمفاوضات. لذلك، فإن الوضع القائم أقرب إلى «توقف تكتيكي لإطلاق النار» منه إلى اتفاق سياسي قادر على إنهاء الحرب.
ترامب: مفاوضات عميقة ووقت محدود
أحدث التطورات جاء على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قال، الاثنين، إن واشنطن تخوض «مفاوضات عميقة جداً» مع إيران، لكنه حذر من العودة إلى «عمل عسكري قوي» إذا فشلت الجهود الدبلوماسية.
وعندما سُئل عن المهلة التي يمكن أن يمنحها للمفاوضات، أجاب بأن الوقت المتاح ليس طويلاً، مشدداً على ضرورة تحقيق تقدم سريع، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن مقابلة أجراها مع موقع «أكسيوس».
وأوضح ترامب أنه قرر تعليق الضربات الأمريكية بعدما طلبت منه الدول المشاركة في الوساطة منح المفاوضات فرصة جديدة. وتشمل الاتصالات، بحسب موقع أكسيوس، إيران وعُمان وقطر وباكستان ومصر، إلى جانب مبعوثي الرئيس الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.
لكن طبيعة هذه المفاوضات وحجم التقدم المحقق داخلها لا يزالان غير معلنين، ولا يمكن تأكيد وجود مسودة اتفاق جديدة أو تفاهم نهائي بين الطرفين.
طهران تنفي طلب التفاوض
في المقابل، نفت وزارة الخارجية الإيرانية أن تكون طهران قد طلبت استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة.
وقال المتحدث باسم الوزارة، إسماعيل بقائي، إن الوسطاء ينقلون رسائل بين الجانبين، لكن لا توجد مفاوضات مباشرة، واصفاً التقارير التي تتحدث عن طلب إيراني للعودة إلى طاولة المفاوضات بأنها «مفبركة».
ولا يعني ذلك انقطاع المسار الدبلوماسي بالكامل؛ إذ أقرت طهران باستمرار تبادل الرسائل عبر الوسطاء، كما أكدت مصادر إقليمية لوكالة أسوشيتد برس أن قطر وباكستان أحرزتا تقدماً في محاولة إعادة الطرفين إلى التفاهم المؤقت الذي انهار خلال يوليوز.
ويكشف هذا التباين عن اختلاف في توصيف الاتصالات: واشنطن تقدمها باعتبارها «مفاوضات عميقة»، بينما تصر طهران على أنها مجرد رسائل غير مباشرة لا ترقى إلى مفاوضات رسمية.
لماذا أوقفت واشنطن الضربات؟
جاء التوقف الأمريكي بعد 13 ليلة متتالية من الغارات على إيران، استهدفت خلالها القوات الأمريكية مراكز عمليات عسكرية ومنشآت بحرية ومخازن للطائرات المسيّرة وحظائر للطائرات وبنيات لوجستية، وفق القيادة المركزية الأمريكية.
وأفادت رويترز بأن مسؤولين عسكريين أمريكيين أبلغوا ترامب بأن قائمة الأهداف المعدة مسبقاً بدأت تنفد، مع تزايد المخاوف من استنزاف مخزون صواريخ الدفاع الجوي المستخدمة لحماية القواعد الأمريكية في المنطقة.
وقال مسؤول إيراني كبير إن بلاده ستوقف هجماتها ما دامت واشنطن ملتزمة بوقف القصف، موضحاً أن قاعدة طهران هي «هجوم مقابل هجوم». غير أن المصدر نفسه اعتبر أن التوقف الأمريكي قد يكون تكتيكياً وليس تحولاً حقيقياً في السياسة الأمريكية.
وبذلك، لم ينتج الهدوء الحالي عن اتفاق معلن، وإنما عن قرارين متوازيين وقابلين للتراجع: تعليق أمريكي للغارات، ووقف إيراني مشروط للهجمات الانتقامية.
مضيق هرمز في قلب الصراع
يبقى مضيق هرمز العقدة الرئيسية التي تحول دون تثبيت التهدئة. فالولايات المتحدة تطالب بحرية الملاحة في جميع ممراته ومن دون رسوم، بينما تقول إيران إن لها الحق في الإشراف على السفن العابرة عبر الممر القريب من سواحلها، والحصول على موافقة مسبقة منها.
وأعلنت وسائل إعلام إيرانية، الاثنين، أن طهران أعادت ست سفن حاولت المرور من دون إذنها، وأن إحدى السفن تعرضت لـ«حادث». لكن هذه الرواية صادرة عن مصدر إيراني لم يُكشف عن اسمه، ولا يمكن تأكيد تفاصيلها بصورة مستقلة.
وأكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن وضع المضيق لم يتغير وأنه لا يزال مغلقاً، فيما تجري طهران ومسقط محادثات لوضع آلية مشتركة لتنظيم حركة السفن، باعتبار إيران وعُمان الدولتين المطلتين على الممر.
في الجهة المقابلة، قالت القوات الأمريكية إن الحصار البحري على الموانئ الإيرانية ما يزال سارياً، وإنها أعادت توجيه عدد من السفن التجارية وصعدت إلى سفن أخرى لتفتيشها، بحسب تقرير أسوشيتد برس.
وأظهرت بيانات شركة «كبلر» أن أقل من عشر سفن للسلع عبرت المضيق يومياً خلال عطلة نهاية الأسبوع، وأن التدفقات لا تزال في حدود 15 في المائة تقريباً من مستويات ما قبل الحرب، بعدما كان الممر يستقبل نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمكثفات والمنتجات البترولية.
هجمات إقليمية تهدد التهدئة
رغم توقف الضربات المباشرة، سجل يوم الاثنين نشاط عسكري متفرق في عدد من دول المنطقة.
فقد أعلنت السعودية إسقاط طائرات مسيّرة قالت إنها أطلقتها فصائل مسلحة مدعومة من إيران انطلاقاً من العراق، وكانت تستهدف منشآت نفطية في المنطقة الشرقية والرياض. كما أعلن الأردن إسقاط طائرتين مسيّرتين، من دون تحديد الجهة التي أطلقتهما أو أهدافهما.
وفي شمال العراق، تعرضت معسكرات تابعة لفصائل كردية إيرانية معارضة لهجمات بطائرات مسيّرة، لكن السلطات لم تعلن مصدرها.
وفي اليمن، أعلن الحوثيون استهداف منشآت حساسة لنقل النفط بين شرق السعودية وميناء ينبع على البحر الأحمر، رداً على ما وصفوه بتوغلات سعودية في الأجواء اليمنية. ولم تقدم شركة «أرامكو» تأكيداً مستقلاً بوقوع أضرار في المنشآت المذكورة، وفق رويترز.
وتكشف هذه الهجمات أن وقف النار بين واشنطن وطهران لا يشمل بالضرورة القوى المسلحة المتحالفة مع إيران، كما لا يمنع تحوّل مضيق باب المندب والبحر الأحمر إلى جبهة موازية لمضيق هرمز.
نتنياهو يدخل على خط المرحلة الجديدة
تتجه الأنظار أيضاً إلى الاجتماع المرتقب بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في واشنطن.
وأكد نتنياهو، قبل مغادرته، أن إيران ستكون في مقدمة الملفات التي سيناقشها مع الرئيس الأمريكي. وسيكون هذا أول لقاء مباشر بينهما منذ انطلاق الحملة العسكرية المشتركة ضد إيران في 28 فبراير 2026.
ولم تشارك إسرائيل في جولة القصف الأمريكية الأخيرة، لكنها حذرت طهران من أن أي هجوم عليها سيقابل برد قوي. ومن شأن موقف نتنياهو من التهدئة أن يؤثر في قرار ترامب، خصوصاً إذا طالبت إسرائيل بمواصلة الضغط العسكري أو استهداف منشآت نووية إضافية، وفق المعطيات التي أوردتها رويترز.
الملف النووي مؤجل وليس محلولاً
على الرغم من أن البرنامج النووي الإيراني كان أحد المبررات الرئيسية للحرب، فإن المباحثات الحالية تركز بصورة عاجلة على الملاحة في مضيق هرمز ووقف الهجمات، بينما جرى تأجيل القضايا النووية الأكثر تعقيداً.
وكان الاتفاق المؤقت الموقع في يونيو قد حدد مهلة من 60 يوماً للتفاوض بشأن الملفات الكبرى، ومن بينها البرنامج النووي وعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
غير أن الوكالة أكدت في يونيو أنها لم تتمكن من الوصول الكامل إلى المواقع النووية الحساسة، ولم تستطع التحقق من مصير مخزون اليورانيوم المخصب بعد الضربات. كما لا يتوفر حتى الآن إعلان موثوق يؤكد استعادة التفتيش الشامل لهذه المواقع.
وهذا يعني أن أي تفاهم يقتصر على مضيق هرمز قد يوقف القتال مؤقتاً، لكنه لن يعالج السبب الاستراتيجي الأكبر للنزاع.
النفط يتراجع.. لكن الخطر لم ينته
انعكس توقف الضربات سريعاً على أسواق الطاقة، حيث تراجعت عقود خام برنت، الاثنين، بنحو 6 في المائة إلى 90.93 دولاراً للبرميل، بعدما لامست خلال الجلسة 87.55 دولاراً، في حين هبط الخام الأمريكي إلى 84.33 دولاراً.
وكان برنت قد تجاوز 100 دولار خلال الأسبوع الماضي، على خلفية تراجع الشحن عبر مضيق هرمز وامتداد المخاطر إلى البحر الأحمر.
لكن محللين حذروا من اعتبار انخفاض الأسعار دليلاً على نهاية الأزمة، لأن حركة السفن لا تزال ضعيفة، ولا يوجد اتفاق موقع أو نظام للتحقق أو موعد واضح لإعادة فتح الممرات البحرية، وفق تحديث رويترز لأسواق النفط.
ثلاثة سيناريوهات أمام الحرب
انطلاقاً من المعطيات المعلنة، تبرز ثلاثة مسارات محتملة خلال الأيام المقبلة:
أولها، نجاح الوسطاء في التوصل إلى ترتيب تقني بين إيران وعُمان يسمح بعودة تدريجية للسفن، ويمهد لاستئناف المفاوضات حول البرنامج النووي والعقوبات.
ثانيها، استمرار حالة «لا حرب شاملة ولا سلام»، مع توقف الضربات الأمريكية والإيرانية المباشرة، مقابل استمرار تحركات الفصائل المسلحة والهجمات المتفرقة في الخليج والعراق واليمن.
أما السيناريو الأخطر، فيتمثل في انهيار التوقف الحالي بسبب استهداف سفينة أو قاعدة أمريكية أو منشأة نفطية، وهو ما قد يدفع ترامب إلى تنفيذ تهديده بالعودة إلى عمليات عسكرية أقوى، ويفتح الباب أمام رد إيراني واسع.
تهدئة معلقة على حادث واحد
المؤكد حتى الآن أن الحرب لم تنته، وأن الطرفين لم يوقعا وقفاً جديداً لإطلاق النار. الموجود هو هدوء هش تدعمه وساطات نشطة، لكنه محاصر بخلافات عميقة حول مضيق هرمز والبرنامج النووي والعقوبات ودور الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران.
لذلك، قد تحدد الأيام القليلة المقبلة ما إذا كان توقف الضربات بداية لمسار سياسي حقيقي، أم مجرد استراحة قصيرة تسبق جولة أشد اتساعاً وخطورة.
تنبيه تحريري: لا توجد حصيلة مستقلة وموحدة وحديثة لجميع ضحايا الحرب. وخلال جولة التصعيد الأخيرة، تحدثت السلطات الإيرانية عن سقوط عشرات القتلى ومئات المصابين، بينما قُتل أربعة عسكريين أمريكيين في هجمات إيرانية على مواقع في الأردن والعراق. وتظل حصائل الأطراف قابلة للتحديث وتحتاج إلى تحقق مستقل.




