عاد الشارع التونسي إلى واجهة الأحداث، بعد خروج محتجين في العاصمة تونس وعدد من المناطق، تنديداً بتدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار ونقص بعض المواد والخدمات الأساسية، في موجة غضب جديدة أعادت إلى الذاكرة شعارات 2011 وأسئلة “الخبز والعمل والكرامة”.
وتزامنت هذه التحركات مع الذكرى الخامسة لإجراءات 25 يوليوز 2021، التي وسّع من خلالها الرئيس قيس سعيّد صلاحياته، ما منح الاحتجاجات بعداً مزدوجاً: اجتماعيّاً مرتبطاً بالغلاء والمعيش اليومي، وسياسياً مرتبطاً بمسار الحكم والحريات.
وبينما وصف بعض النشطاء والمتظاهرين هذه التحركات بأنها “الجزء الثاني من الربيع العربي”، فإن المعطيات المتوفرة تشير إلى أن هذا التوصيف يبقى شعاراً احتجاجياً أكثر منه واقعاً سياسياً مكتمل المعالم، خاصة أن حجم التعبئة ومسارها ما يزالان في طور التشكل.
آلاف في الشارع وشعارات ضد الغلاء
حسب تقارير إعلامية حديثة، تظاهر نحو 2500 شخص في العاصمة التونسية يوم السبت 25 يوليوز 2026، احتجاجاً على منظومة الحكم وتردي الظروف المعيشية، في وقت تعيش فيه البلاد على وقع موجة حر وانقطاعات في الكهرباء والماء في بعض المناطق. وردد المحتجون شعارات من قبيل: “الشعب يريد إسقاط النظام” و“لا ضوء لا ماء، الحبس والغلاء”.
كما نقلت الجزيرة عن مشاركين في المظاهرة استياءهم من الأوضاع الاقتصادية، التي وصفوها بالقاسية، بسبب ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة وتردي الخدمات العامة، مشيرين إلى أن انقطاعات المياه والكهرباء خلال الصيف زادت من معاناتهم اليومية، وأن الأجور لم تعد تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية.
هذه المعطيات تجعل الحراك الحالي أقرب إلى احتجاج اجتماعي واسع على المعيشة، لكنه محمل أيضاً برسائل سياسية واضحة ضد خيارات الحكم منذ 2021.
الأرقام الرسمية تؤكد ضغطاً اجتماعياً متواصلاً
الأزمة التي دفعت التونسيين إلى الشارع لا تقوم فقط على الانطباعات. فالمعهد الوطني للإحصاء في تونس أعلن أن معدل التضخم بلغ 5.3 في المائة في يونيو 2026، بعدما سجل 5.5 في المائة في ماي وأبريل من العام نفسه.
كما تشير منشورات المعهد الوطني للإحصاء إلى أن نسبة البطالة بلغت 15 في المائة خلال الثلاثي الأول من سنة 2026، وهو رقم يعكس استمرار الضغط على سوق الشغل، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات.
هذه الأرقام تفسر لماذا عاد شعار المعيشة إلى قلب الشارع التونسي. فحين تجتمع البطالة، الغلاء، ضعف الأجور، نقص بعض المواد، وانقطاعات الخدمات الأساسية، يصبح الاحتجاج نتيجة طبيعية لتراكم طويل، لا مجرد موجة غضب ظرفية.
هل نحن أمام “ربيع عربي ثان”؟
التعبير المتداول عن “الجزء الثاني من الربيع العربي” يحمل حمولة رمزية قوية، خصوصاً أن تونس كانت نقطة انطلاق موجة 2011 التي أسقطت نظام زين العابدين بن علي وأطلقت دينامية سياسية واسعة في المنطقة.
لكن المقارنة تحتاج إلى حذر. ففي 2010 و2011، كانت الشرارة تجمع بين الاستبداد السياسي، البطالة، الفساد، غياب الحرية، والاحتقان الاجتماعي. أما اليوم، فيبدو أن العامل الاجتماعي والمعيشي هو الأكثر حضوراً في الشارع، وإن كان ممتزجاً برفض سياسي لخيارات الحكم وتراجع الحريات كما ترى المعارضة ومنظمات حقوقية.
لذلك، فالقول إن تونس دخلت فعلاً “ربيعاً عربياً ثانياً” قد يكون سابقاً لأوانه. الأدق أن نقول إن البلاد تعيش موجة احتجاج اجتماعي وسياسي جديدة تستحضر ذاكرة الربيع العربي، لكنها لم تتحول بعد إلى مسار ثوري واسع بالمعنى التاريخي للكلمة.
من الخبز إلى الكهرباء والماء
اللافت في الاحتجاجات الجديدة أن المطالب لم تعد محصورة في السياسة بمعناها التقليدي، بل عادت إلى أبسط حاجات الناس: القدرة على شراء المواد الأساسية، توفر الماء والكهرباء، الدواء، الشغل، وتحسين الأجور.
وتشير تقارير صحفية إلى أن المحتجين تطرقوا إلى نقص بعض المواد الأساسية، وارتفاع الأسعار، وانقطاعات المياه والكهرباء، وهي عناصر جعلت الغضب الاجتماعي أكثر حضوراً في الشارع.
بهذا المعنى، تبدو تونس أمام معادلة دقيقة: المواطن لا يطلب فقط إصلاحات كبرى أو خطابات سياسية، بل يريد إجابات مباشرة حول ما يعيشه يومياً في السوق والبيت والحي.
معارضة سياسية واحتقان اجتماعي
لا يمكن فصل التحركات الأخيرة عن السياق السياسي التونسي منذ 25 يوليوز 2021. فقد تعرض الرئيس قيس سعيّد لانتقادات واسعة من المعارضة ومنظمات حقوقية بسبب تركيز السلطات، وتراجع دور المؤسسات، واعتقال معارضين وصحافيين ونشطاء، بينما تؤكد السلطات أن إجراءاتها تستهدف حماية الدولة ومكافحة الفساد وتطبيق القانون.
وقد سبق لوكالة رويترز أن نقلت، في ماي 2026، احتجاج مئات التونسيين ضد حكم الرئيس قيس سعيّد، مع رفع شعارات تربط بين الجوع وامتلاء السجون، في إشارة إلى اجتماع الأزمة الاقتصادية والملف الحقوقي والسياسي.
هذا التداخل بين الاجتماعي والسياسي يجعل الاحتجاجات الحالية قابلة للاتساع إذا لم تجد الحكومة حلولاً ملموسة، خاصة في ظل استمرار الضغط على الأسعار والخدمات.
منظمات ترصد تصاعد الاحتجاجات
المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، عبر مرصده الاجتماعي، سجل بداية سنة 2026 ارتفاعاً لافتاً في نسق الاحتجاجات. فقد أعلن أن شهر يناير 2026 شهد 501 تحرك احتجاجي، بزيادة تقارب 23 في المائة مقارنة مع يناير 2025، وبفارق كبير مقارنة مع يناير 2024 الذي سجل 137 تحركاً فقط.
كما أشار تحليل حديث إلى أن الاحتجاجات الاجتماعية في تونس ظلت متواصلة، وأن أشكالها الأكثر حضوراً تشمل الوقفات والاعتصامات والإضرابات والمسيرات السلمية، مع بروز مناطق مثل تونس وقفصة وصفاقس وبعض مناطق الوسط الغربي ضمن بؤر التعبئة الاجتماعية.
هذه الأرقام تعطي للحراك الحالي خلفية أعمق: ما يحدث ليس مجرد يوم احتجاج واحد، بل جزء من مسار اجتماعي متراكم يتوسع وينكمش حسب ضغط المعيشة والمناخ السياسي.
الحكومة بين الأمن والحوار
السلطات التونسية تجد نفسها أمام معادلة معقدة. فمن جهة، هناك ضرورة الحفاظ على الأمن ومنع العنف وحماية الممتلكات العامة والخاصة. ومن جهة أخرى، هناك مطالب اجتماعية لا يمكن معالجتها فقط بالخطاب الأمني أو تحميل المسؤولية للمضاربين والمحتكرين.
فإذا كان الشارع يحتج على الغلاء ونقص المواد والخدمات، فإن الجواب يحتاج إلى إجراءات اقتصادية واجتماعية سريعة: ضبط الأسعار، تحسين التزويد، معالجة انقطاعات الماء والكهرباء، وتقديم رؤية واضحة للتشغيل والأجور.
أما الاكتفاء بخطاب سياسي عام، فقد يزيد الاحتقان، خاصة في بلد يحمل ذاكرة احتجاجية قوية ويعرف جيداً كيف تتحول المطالب الاجتماعية إلى أزمة سياسية.
لماذا تبدو تونس حساسة أكثر من غيرها؟
تونس ليست أي بلد في الذاكرة العربية الحديثة. فهي البلد الذي انطلقت منه شرارة 2011، ولذلك فإن أي احتجاج اجتماعي كبير فيها يستدعي فوراً مقارنات مع الربيع العربي.
لكن هذه الحساسية لا تعني أن كل احتجاج تونسي هو ثورة جديدة. ما تعنيه هو أن السلطة والمعارضة والمجتمع المدني يتعاملون مع الشارع التونسي بكثير من الحذر، لأن التاريخ القريب أثبت أن تراكم الغضب المعيشي قد يتحول بسرعة إلى لحظة سياسية كبيرة.
ومن هنا تأتي خطورة المرحلة الحالية: ليست في عدد المحتجين وحده، بل في طبيعة المطالب، وفي تزامن الغلاء والبطالة وانقطاع الخدمات مع تراجع الثقة في المؤسسات.
تونس أمام امتحان اجتماعي صعب
المسار المقبل سيتوقف على قدرة الحكومة على تقديم إجابات ملموسة. فإذا تم احتواء الغلاء، وضمان التزويد، وتقليص الانقطاعات، وفتح حوار جدي مع القوى الاجتماعية، فقد تبقى الاحتجاجات في حدود الضغط السياسي والاجتماعي القابل للتدبير.
أما إذا استمرت الأزمة المعيشية، وتوسع الإحساس بأن الدولة لا تسمع، فقد تتحول الشعارات من مطالب اجتماعية إلى مطلب سياسي أشمل، وهو ما يخشاه كثير من المتابعين.
فالشارع التونسي اليوم لا يبدو مدفوعاً فقط بالغضب، بل بالإرهاق أيضاً. والإرهاق الاجتماعي عندما يطول يصبح قابلاً للانفجار.




