ذ. محمد بادرة
كثرت الدعوات في الفترات الأخيرة الى قراءة عصرية للقرآن الكريم وتعالت أصوات المفكرين النهضويين والحداثيين بحتمية الاستفادة من المناهج الحديثة في تحليل الخطاب وخاصة مناهج علوم اللغة والعلوم الانسانية المعاصرة مثل “السميولوجيا” و “الهرمنيوطيقا” و”الألسنية” و”الأسلوبية” و”علم السرد” من أجل (استنباط الجوهري والإنساني والمعرفي وتعرية التاريخي و”الايديولوجي” .. في النصوص التراثية)- د. نصر حامد ابو زيد. غير أن من هؤلاء المفكرين والدارسين الداعين الى القراءة المعاصرة للنصوص الدينية عن حسن النية ورغبة في تحقيق استمرارية حفظ الوحي القرآني وصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان لكن منهم من يفعل ذلك باسم القراءة العلمية وبتوجيه ايديولوجي لأجل هدم الدين والتشكيك في الوحي وافراغ النص القرآني من حقيقته المطلقة.
ومهما يكن فان كثيرا من النصوص الدينية والتراثية بحاجة الى مراجعة وتجديد وفي مقدمتها علوم القرءان والحديث والتي يخشى كثير من الدارسين والمهتمين بالشأن الديني الاقتراب منها خوفا من الزلل والانزلاق الى الكفر والبدعة والضلال، واختلف الدارسون في قراءتهم ودراساتهم للقران الكريم باختلاف النظريات النقدية والأدوات المنهجية فمنهم من استعمل أو بالأحرى حافظ على القراءة التراثية بدرجات متفاوتة، ومنهم من استخدم المناهج النقدية الحديثة من أجل فهم أسرار القرءان الكريم وادراك المعاني الخفية في آياته، ومنهم من قام بتطبيق مناهج البنيوية – الألسنية والأنثروبولوجية وفينمنولوجيا الأديان، والتاريخانية العلمانية على النصوص الدينية والتراثية وذلك “لنفض” الغبار عن التفاسير الكلاسيكية وبيان مزاياها ونواقصها مما يعتبر عملا ايجابيا من أجل فهم التراث والاستفادة منه واحيائه في حلل جديدة.
فهل نحن مقبلون على ثورة معرفية في الدراسات القرآنية؟
ان ما كتب في الآونة الأخيرة من الأبحاث والدراسات القرآنية تعد كثيرة بالمقارنة مع العصور السابقة حيث نقف على انتاج كثيف لم يسبق أن ظهر مثله في مدة زمنية مماثلة من قبل كما أننا لأول مرة أمام تعدد منهجي يخرج عن المناهج التقليدية المألوفة في التفاسير ودراسات علوم القران اضافة الى ذلك نجد أنفسنا أمام تطبيق ميكانيكي لمناهج غربية وافدة ومتنوعة لم تنبث في أرض المعرفة الإسلامية وثقافتها الخصبة ثم هناك النتاج الجديد من الأبحاث والدراسات أسهم فيها غير المسلمين (المستشرقون) بشكل واضح بغض النظر عن تقييم ما قدموه – عبد الرحمان الحاج.
ويعود هذا الاهتمام المتزايد بدراسات القرءان الكريم –أساسا- الى قضية “النهضة” التي اعتمدت على معادلة طرفاها التراث العربي الإسلامي الذي تم توحيده في النصوص الدينية والتراثية من جهة وبين التراث الأوربي الذي تم تركيزه في الكشوفات العلمية وثمارها التكنولوجية من جهة أخرى وأصبح الشغل الشاغل للفكر الاسلامي خلال القرن الماضي هو انتاج وعي علمي بالدّين حتى بات مسلّما أن مشروع النهضة الإسلامي يمر عبر قناة الإصلاح الديني وبما أن القران الكريم هو المصدر الأول لكل فكر اسلامي فان العودة اليه هي حاجة معرفية وتاريخية لتجاوز ثقل الثقافة التاريخية القروسطية ومفاهيمها التي تفصل بيننا وبين النص القرآني الكريم وبالتالي تعوق “الفهم الصحيح ” للدّين ومن تم تعوق نهضته- الكاتب السابق-
ومن فكر “النهضة” انبثقت مقاربات في دراسة النص الديني وتحكمها ثنائية البنية (عرب_ غرب) (قديم_ جديد) (أسطوري_ تاريخي) وتعددت اجراءات التأويل في تفسير النص الديني.. جاء الشيخ محمد عبده وقدّم قراءة جديدة للنصوص الدينية مؤكدا الطابع العقلي للوحي، كما أن الحاجات المتزايدة للمعرفة الدينية وطريقة عرضها ومقاربتها وفق التطورات المتسارعة لإيقاع العصر الحديث وأطروحاته الفكرية كل هذا وغيره دفع المشتغلين في الإصلاح الديني للبحث عن مناهج جديدة قادرة على تقديم رؤية كلية للقران الكريم وموضوعاته وتاريخه وتصورات علمية في فهم القران.. وبنفس الرؤية الجديدة والمقاربة الحديثة تعرّض علي عبد الرازق في كتاب(الإسلام وأصول الحكم) لنقد مفهوم “الخلافة” عبر تأويل النصوص الدينية وقراءتها قراءة معاصرة، وكذلك الدكتور محمد أحمد خلف الله في (الفن القصصي في القرءان الكريم) من خلال توظيف منهج التحليل الأدبي على أساس أن تلك القصص هي أنساق من السرد الموظف توظيفا دينيا ..أما عبد الرزاق نوفل ومصطفى محمود فدعوا الى دراسة العلوم الحديثة من أجل فهم أسرار القرءان الكريم وادراك المعاني الخفية في آياته…
أما الدراسات الاستشراقية فإنها كانت موظفة لأغراض امبريالية اذ نشأت أساسا بصفتها (فرعا علميا مستقلا) لخدمة الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي (المستشرق ارنست رينان كان يعمل مستشارا ومخططا للاستعمار الفرنسي) وفي نظر روجيه غارودي فانهم (لم يدرسوا الإسلام لذاته وانما درسوه لاستخدامه في الصراعات الايديولوجية والحروب رغم الطابع الأكاديمي الجامعي الذي اتخذته بعض دراسات المستشرقين..). وبعد مؤتمر المستشرقين عام1973 وانتهاء الحقبة الكولونيالية الأولى أصبحت الدراسات الاستشراقية فرعا علميا مستقلا وتقرر – بعد هذا المؤتمر- التخلي عن كلمة الاستشراق لمصلحة العلوم الانسانية غير أن الاستشراق لا يزال مضمرا في الكتابات الغربية فتوالت الدراسات الاستشراقية وخصوصا في مجال الدراسات القرآنية والأهم في موضوع هذه الدراسات الاستشراقية أنها جلبت الى العالم الاسلامي مناهج جديدة في دراسة القران الكريم وقدمت قراءات وأعمال قيّمة للباحثين في مجال الفهرسة والتوثيق لكن في نفس الوقت جلبت كثيرا من الاشكالات والتفسيرات الغريبة بل والمطاعن الجديدة في القرءان الكريم. وكان من أوائل الدراسات الفيلولوجية النصية للقران في سنة 1856للمؤلف ثيودور نولدكه T-Noldekeبعنوان (أصل وتركيب سور القران).
وفي الآونة الأخيرة بدأت الدراسات الغربية المعنية بالإسلام وبالقران الكريم –خاصة- تتحول شيئا فشيئا نحو المنحى الأنثروبولوجي بعدما تبين للمستشرقين “الجدد” ان المنهجية الفيلولوجية التي طبقوها على النصوص الدينية الاسلامية لم تعد صالحة مما يتطلب المزيد من الانخراط الابستمولوجي والمزيد من “الحفر الاركيولوجي” للكشف عن الأرضية التحتية للمعرفة الإسلامية وهو ما يبدو أنه توجه لتصنيف الحضارة الإسلامية ضمن مفهوم الثقافة الخاصة بالمجتمعات غير الغربية مما دفع الكثير من الباحثين على غرار ادوارد سعيد نقد الاستشراق بالأدوات الأبستمولوجية والكشف عن ضمنياته المحكومة بالنزعة المركزية الغربية.
وفي سياق الهيمنة الايديولوجية للفكر الماركسي تعامل الدارسون المتشبعون بالفكر الماركسي مع الدين والنصوص القرآنية على ضوء المنهج المادي الجدلي الذي يعتبر الدّين ظاهرة اجتماعية غير منفصلة عن سياقها التاريخي الذي تحدد مساره قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، ونفس الشيء حصل مع الاتجاهات العلمانية التي درست الإسلام وفسرت القران الكريم بما يفضي الى نتائج تلائم ايديولوجيتها الحديثة، كما تم الاستعانة بمناهج جديدة ضمت الى جانب المناهج الاستشراقية مناهج من العلوم الاجتماعية الغربية الحديثة لكن هذه الدراسات والبحوث لم تكن نزيهة على الاطلاق مما ستنفر الباحثين المسلمين لمواجهتها والدفاع عن حقيقة الوحي القرآني واعجازه وبنفس الأدوات والأساليب والمناهج الغربية الحديثة.
وفي العالم العربي انصبت جهود الباحثين عن مناهج تحليل الخطاب الديني في تفكيك وتحليل ونقد “العقل الاسلامي” مثل دراسات وأعمال محمد أركون الذي استخدم مناهج بنيوية لسنية في تأويل النص القرآني، ودراسة نصر حامد أبو زيد عدد من مؤلفاته (مفهوم النص : دراسة في علوم القرءان) (نقد الخطاب الديني) ( الخطاب والتأويل) وغيرها من الدراسات المتأثرة بالمنهجيات الحديثة في اللسانيات والسميولوجيا لكن هذه الدراسات القرآنية الحديثة ستبقى مشغولة بمسألة تاريخية القرءان والتحليل الكلي له وكلا الموضوعين في الواقع هما تعبير عن مركز تحديات الإسلام في معركته مع الحداثة وهو ما يظهر أن خطابهم ناجم الى حد كبير عن القراءة التلفيقية الموجهة ايديولوجيا والتي انتجها خطاب الحداثة عن التراث العربي الاسلامي.
ومن النماذج المعاصرة التي استأنسنا بها في مقاربات واشكاليات في قراءة النص الديني: محمد أركون – نصر حامد أبوزيد – مصطفى محمود – موريس بوكاي ..


التعاليق (0)