علاقتنا مع القرآن الكريم في شهر رمضان

دين و فكر

بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

ليس رمضان مجرد أيامٍ تتغيّر فيها مواعيد الطعام والنوم، بل هو زمنٌ تتغيّر فيه القلوب إذا أحسنت الإصغاء. ففي هذا الشهر المبارك يعود المسلم إلى أعظم ما يملكه في رحلته إلى الله: القرآن الكريم، كلام الرحمن الذي نزل ليوقظ الغافل، ويطمئن القلق، ويهدي الحائر.
ومع كل هلالٍ جديد يتجدد السؤال القديم: هل نقترب من القرآن لأن رمضان حضر، أم لأن قلوبنا أدركت أخيرًا أنها لا تحيا إلا به؟ إن رمضان ليس موسم تلاوة فحسب، بل فرصة نادرة ليولد في داخل الإنسان عهد جديد مع كتاب الله، عهد يبدأ بالقراءة وينتهي بتغيير الحياة.

  • بين التلاوة والعلاقة الحيّة

في رمضان تتضاعف تلاوة القرآن بصورة لافتة؛ تمتلئ المساجد بالمصلين، وتتعالى أصوات الترتيل، وتكثر الختمات الفردية والجماعية، ويصبح المصحف رفيقًا يوميًا لكثير من المسلمين. غير أن السؤال الأعمق يظل حاضرًا: هل تتحول هذه الكثرة في التلاوة إلى علاقة حيّة مع القرآن، أم تبقى صلةً تضعف بانتهاء الشهر؟
كثيرًا ما نقيس علاقتنا بالقرآن بعدد الصفحات والختمات، بينما يقدّم القرآن نفسه كتاب هداية وتدبر قبل أن يكون مجرد كلمات تُتلى بالألسنة. فالمقصود الأعظم ليس مرور العين على الآيات، بل وصول المعاني إلى القلب، وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الانتقال من القراءة باعتبارها عادة رمضانية إلى القراءة باعتبارها بداية تغيير داخلي دائم.

  • رمضان فرصة لإعادة اكتشاف القرآن

يخفّف الصيام من ضجيج الحياة، وتقلّ وتيرة الانشغال بالماديات، فتتسع في النفس مساحات السكون والتأمل. وفي هذه اللحظات بالذات يُفتح باب مختلف لقراءة القرآن؛ قراءة لا تبحث عن الأجر فقط، بل عن الهداية والمعنى.
فالقرآن الكريم يخاطب الإنسان في ضعفه وقوته، في قلقه وأمله، في علاقاته وأسئلته الأخلاقية واليومية. وعندما يُقرأ بوعي وربط بالواقع، يتحول من نص محفوظ إلى خطاب حيّ يوجّه الحياة ويمنحها الطمأنينة والاتجاه. وهكذا يصبح رمضان موسمًا لإعادة اكتشاف القرآن، لا مجرد عودة مؤقتة إليه.

  • مفارقة القرب المؤقت

يلاحظ كثيرون شعورًا عميقًا بالقرب من القرآن خلال رمضان، ثم تخف هذه الصلة بعد انقضائه. وهذه المفارقة لا تدل على ضعف الرغبة، بقدر ما تكشف غياب الاستمرارية. فشهر رمضان يوقظ الشوق، لكنه يحتاج إلى إرادة تحافظ على هذا النور بعد رحيله.
رمضان في حقيقته ليس محطة نهاية، بل مدرسة إيمانية مكثفة؛ وكما يهدف الصيام إلى بناء التقوى التي تستمر بعد العيد، ينبغي أن تؤسس التلاوة الرمضانية لعلاقة دائمة مع كتاب الله، علاقة تصاحب المسلم في أيامه كلها لا في موسم واحد فقط.

  • رحلة القلب مع القرآن

التحدي الحقيقي أن نرتقي بعلاقتنا مع القرآن، فلا يكون حضوره مقصورًا على مواسم الخير، بل يصير منهجًا دائمًا يوجّه الحياة ويحيي القلوب. وهذا الارتقاء لا يحتاج إلى وقتٍ طويل بقدر ما يحتاج إلى تغيير في طريقة التلقي؛ قراءة بتأنٍّ، ومحاولة صادقة للفهم، واستحضار أن هذه الآيات خطاب من الله إلى عباده، وربطها بواقع الإنسان وأسئلته اليومية.
عندها يتحول القرآن إلى نورٍ يصاحب الإنسان في قراراته ومواقفه، ويصبح شريكًا في تشكيل وعيه وبناء روحه، لا مجرد حضور عابر في لحظات التعبد.

  • خاتمة

يمضي رمضان سريعًا، وتبقى الحقيقة الأجمل: أن القرآن لم يُنزَل ليصاحب شهرًا واحدًا، بل ليصاحب عمرًا كاملًا. فإذا أُغلقت أبواب الشهر، فلا ينبغي أن تُغلق أبواب القلوب التي فُتحت بنوره.
وربما لن يُسأل الإنسان يومًا: كم ختمةً أنجزت؟
بل: ماذا فعلت بك آيات الله حين سمعتها؟
هل خفّفت قسوة قلبك؟ هل أصلحت نظرتك للحياة؟ هل قرّبتك من ربك؟
فالقرآن ليس كتابًا نمرّ عليه، بل نورٌ إن صدقنا معه مرّ هو في أعماقنا، فيغيّرنا بهدوء… حتى نصبح نحن الصفحة الجديدة التي تُتلى في واقع الحياة.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً