رمضان: اختبار للروح أم سباق للاستهلاك؟

دين و فكر

بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

مع حلول شهر رمضان من كل عام، تتجدد في الوجدان الجماعي للمجتمعات الإسلامية صورة الشهر باعتباره زمنًا استثنائيًا للتزكية الروحية، ومراجعة الذات، وإعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان وقيمه الأساسية. غير أن هذا البعد الروحي العميق بات يتقاطع بشكل متزايد مع ظاهرة أخرى آخذة في الاتساع: تصاعد النزعة الاستهلاكية، حتى أصبح رمضان يحمل مفارقة واضحة بين فلسفة الصيام القائمة على التقشف، وسلوك اجتماعي يميل إلى الإفراط.

  • روحانية الشهر… المعنى الأصلي للصيام

في جوهره، لا يرتبط الصيام فقط بالامتناع عن الطعام والشراب، بل يمثل تمرينًا أخلاقيًا يهدف إلى تهذيب الرغبات وتعزيز الإحساس بالآخرين، خصوصًا الفئات الهشة. فالصائم يعيش تجربة الحرمان المؤقت ليتعلم الاعتدال، ويعيد اكتشاف قيمة البساطة، ويمنح مساحة أوسع للتأمل والعبادة والتضامن الاجتماعي.
رمضان، وفق هذا المعنى، هو شهر الاقتصاد في الاستهلاك لا مضاعفته؛ شهر إعادة التوازن بين المادة والروح، حيث تتحول المائدة إلى رمز للمشاركة لا للمباهاة.

  • مفارقة الاستهلاك الرمضاني

لكن الواقع المعاصر يكشف تحولًا لافتًا؛ إذ تشير الملاحظات الاجتماعية والاقتصادية إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات الإنفاق الغذائي خلال رمضان مقارنة ببقية أشهر السنة. الأسواق تعرف ذروة نشاطها، والإعلانات التجارية تكثف حضورها، فيما تتحول موائد الإفطار أحيانًا إلى مساحة للتنافس الاجتماعي بدل أن تكون لحظة للبساطة والامتنان.
هذا التحول لا يمكن تفسيره فقط بالعادات الغذائية، بل يرتبط بعدة عوامل:

  • ضغط الثقافة الاستهلاكية الحديثة التي تربط المناسبات بالشراء المكثف.
  • تأثير وسائل الإعلام والإعلانات التي تعيد تشكيل صورة “الرمضان المثالي” باعتباره وفرة دائمة.
  • البعد الاجتماعي حيث يشعر البعض بضرورة إظهار الكرم عبر الإفراط، حتى وإن شكل ذلك عبئًا اقتصاديًا.
  • الاقتصاد المنزلي تحت الضغط

المفارقة أن شهر الصيام، الذي يفترض أن يقلص النفقات، يتحول لدى كثير من الأسر إلى موسم ضغط مالي. ترتفع أسعار بعض المواد، وتزداد المشتريات غير الضرورية، ما يخلق فجوة بين الدخل ومتطلبات الاستهلاك الرمزي المرتبط بالشهر.
وهنا يظهر سؤال جوهري: هل أصبح الاستهلاك وسيلة لتعويض الإحساس بالحرمان خلال النهار؟ أم أن المجتمع أعاد تعريف رمضان وفق منطق السوق؟

  • بين القيم والسلوك

لا يعني نقد الاستهلاك الدعوة إلى إلغاء مظاهر الفرح أو التجمع الأسري، فهذه جزء أصيل من روح رمضان. الإشكال يكمن في فقدان التوازن، حين تتحول الوسيلة إلى غاية، ويصبح الطعام محور الشهر بدل أن يكون مجرد عنصر من عناصره.
اللافت أن كثيرًا من المبادرات التضامنية، مثل موائد الرحمة وحملات التبرع، ما تزال تحافظ على البعد الإنساني للشهر، ما يدل على أن روح رمضان لم تختفِ، لكنها تتعايش مع نمط حياتي سريع الإيقاع تحكمه ثقافة الاستهلاك.

  • نحو استعادة المعنى

ربما يحتاج رمضان اليوم إلى إعادة قراءة جماعية لمعناه الحقيقي: تقليل الهدر، تعزيز التضامن، وإعادة الاعتبار لقيمة الاعتدال. فالتحدي ليس في مقاومة السوق بقدر ما هو في بناء وعي فردي يجعل الاستهلاك واعيًا لا اندفاعيًا.
في النهاية، يظل رمضان مرآة للمجتمع؛ يكشف تناقضاته كما يبرز أجمل ما فيه. وبين الروحانية والاستهلاك، يبقى الخيار مفتوحًا أمام الإنسان ليحدد أيّ الوجهين سيمنح هذا الشهر معناه الحقيقي.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً