هذا المقال من رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن توجه .

هل الأحزاب بيئة حاضنة للفساد السياسي ؟

كُتّاب وآراء


يعد الفساد السياسي جزءا من الفساد العام في المجتمع والدولة ولعله من أخطر مظاهر الفساد لكونه يمحق القيم ويدمر المصالح العامة ويقود البلاد الى الخراب والاضطراب والفقر والتخلف، ويعرفه “ستيفن كوتكين” بأنه (اساءة استخدام المسؤوليات العامة والمهام الحكومية) و(اتباع الطرق غير القانونية لتعزيز آليات غير ديموقراطية في عمليات صنع القرار) مما يسبب أضرارا في كل مكونات النظام السياسي والاجتماعي العام.

الفساد السياسي له تأثير سلبي واسع على منظومة القيم المجتمعية (الأخلاق العامة) ومن أخطر وظائف هذا الفساد التحكم والهيمنة وتوجيه القرارات السياسية العامة لخدمة مصالح خاصة وفي مناخه وأجوائه تكون المؤسسات والتنظيمات الحزبية بيئة حاضنة للفساد والإفساد، والفساد الحزبي هو جزء من الفساد العام منه ينشأ التمويل المالي الفاسد (الغش الانتخابي) ومعه يتضخم النفوذ السياسي والاقتصادي لقوى ونخب من رجال المال والأعمال( قوة رجال المال والأعمال وسطوتهم على الأحزاب الوطنية وتمويلها في مقابل استخدام الحزب كخصم أو شريك مع السلطة لتحقيق مصالح خاصة أو فئوية) وفي ظل الاختراق المالي والسياسي الفاسد يحدث الانحراف الحزبي والانتخابي ويتلوث المجال العام الحزبي بمؤثرات الفساد السياسي وغيرها من الانحرافات التي تستوطن بيئة الأحزاب.

لا شك أن الفساد الحزبي في بلدنا بلغ مستويات مقلقة ويحتاج تشريحا شاملا يسمح بفهم طبيعته ومقوماته على الرغم أنه منذ مدة غير قصيرة صار موضوع الفساد المستشري داخل الأحزاب موضوعا مهيمنا في كل وسائل الأعلام والتواصل الاجتماعي وفي النقاش العمومي والخاص رغم أننا لا ننكر أنه قامت جهود متكاملة بين هيئات وطنية دستورية ومؤسسات قضائية ومنظمات مدنية وتدعمها استراتيجيات وطنية وآليات رقمية لمواجهة الفساد في كل المؤسسات العمومية الوطنية ومنها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها والمجلس الأعلى للحسابات وجمعيات المجتمع المدني بل وضعت برامج تربوية وتعليمية واعلامية للتوعية بمخاطر كل أشكال الفساد لكن أمام تغوّل الفساد السياسي وضعف الارادة الحقيقية للتصدي بحزم لظاهرة تشكل خطرا حقيقيا على الدولة والمجتمع والقانون والمؤسسات.

ان ضعف الارادة السياسية لمحاربة الفساد والحد منه يعد واحدا من المؤشرات التي تضع الدولة في سلم البلدان المتعثرة على مستوى تجويد وتخليق الحياة السياسية وخصوصا في موضوع الحكامة الحزبية خصوصا وأن الأحزاب السياسية لها تأثير واضح في انعاش الحياة السياسية واستنبات الثقة في العمل السياسي والحزبي على وجه الخصوص لذا أصبح من الضرورة على أحزابنا الوطنية أن تضطلع بدورها في تخليق الحياة السياسية واعادة هيكلة المجال السياسي ومؤسسة الأحزاب وتصحيح سيروراتها وتأهيلها حتى تكون في مستوى ممارسة وظائفها السياسية سواء على مستوى التنظيم أو التأطير أو التمثيل بما يخدم مسار التطور المجتمعي.

أول خطأ يواجهنا في محاربة الفساد أننا تركنا مهمة مواجهة الفساد السياسي لفئة من “الوعاظ الجدد ” من الاعلاميين الفايسبوكيين و البودكاستيين المتمردين الناقمين والساخطين على الأحزاب الوطنية وعلى السياسيين حكوميين أو معارضين أو مجموعة من الوصوليين المتملقين والمهادنين للأوضاع الفاسدة، كما أنه حصرنا محاربة الفساد في نقاش الصالونات الفكرية أو في أوهام الفهم السطحي الشائع للفساد كمصطلح مقابل للديموقراطية… اذ يرى بعض منظري الأحزاب خصوصا من اليسار أنه لمحاصرة ظاهرة الفساد السياسي نحتاج الى تقوية النظام الديموقراطي – هكذا- … وصحيح أننا لا ننكر أن في النظام الديموقراطي من آليات المراقبة والمحاسبة ما يكفي لجعل الواقع الفاسد أقل فسادا الا أن هذا لا يبرر اضفاء القدرات الخلاصية للديموقراطية وحدها.

ان تشخيص أسباب الفساد السياسي لا يخضع لقواعد معينة أو لمتتاليات منطقية ولا لعلاقة خطية تقضي بأن تكون مقدمات بعينها تسير بكل حالة سياسية نحو الفساد، فالحقل السياسي لا يخضع لمنطق رياضي ولا لحساب أو قياس أو اقتضاء خطي.. انه جزء أساسي من النظام العام وهو حقل شائك يتعايش فيه الفساد مع الأخلاق في جدلية صراعية لا تنتهي فأن نقول مثلا (أنه كلما انخفضت درجة المشاركة السياسية تزايدت احتمالات ظهور الفساد وحدته.. فان هذا الرأي يكون أقرب الى مقاربة خطية وهي مقاربة غير صحيحة) لأن (الدول التوليتارية و”الثورية” معروفة بكثافة المشاركة السياسية عبر التعبئة السياسية والايديولوجية ولكنها من أكثر الدول فسادا) لذا فكل بيئة يمكن أن تساعد على ظهور الفساد وبيئة أخرى يمكن أن تقلل من ظهوره.

مفهوم الفساد السياسي هو مفهوم مركب ينطوي على أكثر من بعد واحد وبتمحيص الكثير من الرؤى والمقاربات يتضح مدى أهمية المنظمات الحزبية الى جانب مؤسسات أخرى مدنية وثقافية ودينية وتربوية في مواجهة الفساد بكل أشكاله لكن المؤسسة الحزبية تبقى هي الأداة الرئيسية لمحاربة الفساد السياسي عبر ترسيخ مبادئ الديموقراطية داخل المجتمع من خلال نخبه وممثليه وأجهزته لكن التأثير السلبي لأنماط الفساد الذي يخترق هذه المؤسسات الحزبية يجعلها تنحرف عن مسارها ووظيفتها المركزية المتمثلة في دورها الوسيطي بين الدولة والمجتمع وبين الدولة والمواطن واشاعة ثقافة الديموقراطية والمشاركة السياسية.

لكن احزابنا الوطنية تعايشت مع الفساد بل تحولت الى بيئة حاضنة للفساد وهو ما يهدد البناء الديموقراطي لهذه الأحزاب كبناء احزاب المصالح الخاصة التي تهدف فقط الى رعاية مصالح فئة أو نخب معينة دون المصالح العامة للمواطن وقد تتحول هذه الأحزاب كمؤسسات انتخابية الى وسيلة محتملة لاستغلال ثروات وموارد الدولة كمصدر للتمويل السياسي الفاسد مما يهدد الحياة السياسية بالانحراف وإفساد المنظومة الديمقراطية (المال السياسي الفاسد – نفوذ اصحاب المصالح الخاصة – تحريف مسار الحزب عن مهامه السياسية المشروعة – الصراعات والفوضى الداخلية بين مكونات الحزب الواحد – المنافسة غير الشريفة بين الاحزاب – ..)

الفساد الحزبي يعني استعمال الوظيفة الحزبية للتربح الشخصي غير المشروع وهذا التربح قد يكون مالي أو ابتزاز سياسي أو استغلال الأحزاب الممثلة في البرلمان في خرق أو خلق قوانين أو عرقلة أخرى لخدمة مصالح خاصة مما يوفر بيئة حاضنة للفساد السياسي كما أن الدعم المالي العمومي الممنوح لها من طرف الدولة تشوب عمليات انفاقه وصرفه عدة أعطاب قانونية وتدبيرية تعيق نجاعة العمل الحزبي وتسبب في تفشي مظاهر الفساد، كما ان الممتلكات الحزبية تكون غير مضبوطة أو غير محفظة باسم التنظيم والجريدة الحزبية ودار النشر في ملكية من؟ ومواردها لمن؟…كل هذا وغيره يضر بالعمل الحزبي وبالحياة السياسية عامة وبحقوق المواطنين الذين هم أصحاب المصالح الدائمة والشاملة داخل المجتمع.

الأحزاب المغربية مع ما لعبته وتلعبه من دور أساسي في الحياة السياسية الا أنها سقطت في مستنقع الفساد وأبانت عن فشل دورها وضعف مستواها نتيجة تلوث المجال العام الحزبي بمؤُثرات الفساد السياسي ( تنازع السلطة على القيادة وانعدام الشفافية- ضعف المؤسسة الحزبية وتفشي البيروقراطية – الانحراف الانتخابي والمحسوبية- المال الانتخابي الفاسد – …) انها أحزاب ليست لديها أهداف غير خدمة اشخاص أو فئة من المتحكمين النافذين ماليا واقتصاديا بدعوى الدفاع عن الصالح العام لكن في الواقع لا تدافع الا عن قوتها ونفوذها ومصالحها ولا تعطي الأولوية في تفكيرها الا لمسألة توسيع مجال مصالحها.. والصراع الدائر بين أحزاب الأغلبية والمعارضة اليوم انما يظهر صورة عن قيادات حزبية لا تتصارع عقائديا وانما تتصارع من خلال البقاء في موقع القيادة واستغلال هذا الموقع بشكل لا علاقة له بالصالح العام.

ان أخطر الأنماط التي تؤثر سلبا على أداء العمل الحزبي بشكل رئيسي هو التمويل واستغلال النفود والفساد التنظيمي، فمعركة تمويل الأحزاب تعتبر عنصرا مهما وذا دور مؤثر في قوة كل حزب في اطار المساحة السياسية المتاحة، فمثلا حزب الأحرار على سبيل المثال لا الحصر يقوده رجل أعمال له قوة مالية وأدرع اقتصادية قوية تمكنه من كسب المعارك الانتخابية ويلعب الفساد التنظيمي داخل الأحزاب دورا خطيرا في التأثير على قرارات الحزب لحساب مصالح خاصة أو مصالح فئة محتكرة لمراكز القرار الاقتصادي والمالي والسياسي … انها الهيمنة والتسلط ومع كل تسلط ثمة فساد.

الفساد الانتخابي يسبب في هدم البناء الديموقراطي والسياسي القائم على الكفاءة، فتفضيل الأحزاب السياسية لمريدي الزعيم وحاشيته وجوقته ولأصحاب (الشكارة) على ذوي الكفاءة والأهلية السياسية يعد من قبيل الغش السياسي والتزوير الانتخابي لضمير الحزب وهويته ونظامه فرشوة الفعل السياسي لأعضاء ومناضلي الحزب تسحق بداخلهم الايمان بفكرة الديموقراطية فتصاب كل أجهزة الحزب الموازية عموديا وافقيا بالخلل والشلل وكل قياداتها الوطنية والمحلية المنتخبة والمعينة من مكاتب الفروع الى المكتب السياسي تعيش في الفوضى وعدم الانضباط للتسلسل التنظيمي وأغلب احزابنا تعيش هذه الفوضى سواء منها المحافظة أو الليبرالية أو الاشتراكية.. بل هناك ظاهرة ابتزاز داخل بعض هذه الأحزاب لتبني اجندات تدميرية عن طريق الضغط المباشر أو غير المباشر من قبل قيادات الحزب على بعضهم البعض بهدف تحقيق مكاسب فردية داخل الحزب أو عن طريق ترويج فضائح القادة واستخدامها كورقة ضغط لتنفيذ ما يرغبون داخل الحزب وتبرير سلوكياتهم الفاشلة.

ومن التأثيرات السلبية الأخرى الناجمة عن الفساد الحزبي:

  • تفريغ الحزب من مهامه السياسية المشروعة.
  • اشعال نار الصراع والفوضى الداخلية بين مكونات الحزب الواحد.
  • اصابة الحزب بأمراض العجز والضعف البنيوي كمؤسسة سياسية.
  • فساد المنظومة الديموقراطية الحزبية.

انها صور وأشكال من الفساد الحزبي الذي يصيب أحزابنا بالشلل والتآكل سواء من الداخل (استبداد القيادات الحزبية بالمسؤولية – الاشتغال بالكولسة والمساومات السرية – شل العمل التنظيمي وتجميد دور الأجهزة الحزبية أو التنظيمات الموازية – ثقافة الزبونية في العلاقات بين الافراد داخل الحزب – …) ومن خارج التنظيم الحزبي هناك (تدخلات السلطة أو المؤسسات ذات النفود المالي والاقتصادي) والتي تثنيها عن أداء دورها الديموقراطي الحقيقي كجسر يربط بين احتياجات أفراد المجتمع وصناع القرار السياسي وتتنوع هذه الاحتياجات ما بين السياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية والقانونية وغيرها في ظل الضعف المتنامي للأداء الحكومي تجاه التزامات مواطنيها والحاجة الماسة لدور الاحزاب الوطنية كأهم منظمة من منظمات المجتمع المدني

الفساد السياسي هو (هجوم مرتب ضد الهياكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية بهدف تحويل مؤسسات المجتمع لفوضوية ) كما يقول (ايتشيغوين).

اذن لابد لقوى المجتمع وقوى التغيير أن تدفع نحو تطويق الفساد عبر مدخل تأهيل الأحزاب حتى لا تكون بيئة حاضنة للفساد والإفساد السياسي !!!

​ذ. محمد بادرة

التعاليق (0)

اترك تعليقاً