بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
تعيش مخيمات تندوف على وقع توتر متصاعد، أعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة–جديدة حول طبيعة الصراع داخل جبهة البوليساريو، وحدود القرار فيها، ومن يملك فعليًا مفاتيح السلطة والحياة والموت. فوفاة القيادي البارز والمعارض مصطفى ولد سيد البشير، في ظروف غامضة، ليست حدثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في مسلسل طويل من “الإسكات المنهجي” لكل من يحاول كسر الطوق المفروض على الجبهة من الداخل.
منذ اغتيال مؤسس الجبهة الوالي مصطفى السيد، ظل شبح التصفية يخيّم على كل الأصوات التي تجرأت على إعادة طرح سؤال الشرعية والتمثيل داخل البوليساريو. فالرجل الذي قُدِّم كرمز ثوري، انتهى ضحية صراعات خفية، في وقت كانت فيه مراكز القرار قد بدأت تتحول تدريجيًا من “حركة تحرير” إلى أداة وظيفية بيد النظام العسكري الجزائري.
- معارضة داخلية ممنوعة
مصطفى ولد سيد البشير لم يكن شخصية عادية. فقد شغل عضوية الأمانة العامة للجبهة، وتولى مسؤوليات تنظيمية مهمة، لكنه تميّز، في السنوات الأخيرة، بجرأته غير المسبوقة في انتقاد ما وصفه بـ”تحجر القيادة” واحتكار القرار من طرف وجوه بعينها، وعلى رأسها إبراهيم غالي ودائرته الضيقة. كما تحدث علنًا عن التفاوت الصارخ بين معاناة سكان المخيمات، وامتيازات القيادات التي تعيش في عزلة عن واقع “لحمادة” القاسي.
هذا الخطاب، الذي لقي صدى واسعًا داخل المخيمات، تزامن مع تحولات دولية مهمة، أبرزها القرار الأممي الأخير الذي استقبله كثير من الصحراويين بارتياح حذر، باعتباره يفتح أفقًا سياسيًا مختلفًا عن خطاب “الحرب الأبدية”. غير أن هذا الترحيب الشعبي لم يرق للنظام العسكري الجزائري، الذي يرى في أي انفراج سياسي تهديدًا مباشرًا لوظيفته الإقليمية في ملف الصحراء.
- توقيت مريب ورسائل واضحة
صحيح أن الوفاة أُعلن عنها رسميًا باعتبارها نتيجة تدهور صحي، لكن غياب أي توضيح شفاف، وسجل الجبهة الحافل بتصفية أو تحييد المعارضين، جعلا من الصعب إقناع الرأي العام الصحراوي بهذه الرواية. فالتوقيت، والسياق، وطبيعة مواقف الراحل، كلها عوامل غذّت الشكوك، وفتحت الباب أمام فرضية “الاغتيال البطيء” أو التصفية غير المباشرة.
داخل المخيمات، يُقرأ الحدث كرسالة واضحة: كل من يفهم نوايا النظام الجزائري في وقت مبكر، أو يحاول فك الارتباط بين البوليساريو ووصايتها الأمنية، سيكون مصيره الإقصاء، أو العزل، أو الموت.
- إلى أين تتجه الأمور؟
المؤشرات الحالية لا توحي بالتهدئة. بل على العكس، يتوقع مراقبون موجة جديدة من التصفيات أو “الوفيات الغامضة”، خصوصًا في ظل تصاعد الأصوات الرافضة لاستمرار الوضع القائم، وازدياد وعي الشباب الصحراوي بأن معاناته لا تخدم سوى أجندات خارجية.
إن مسلسل الاغتيالات، الصامتة أحيانًا والمباشرة أحيانًا أخرى، يكشف هشاشة الكيان الذي تدّعي قيادته تمثيل الصحراويين، ويؤكد أن الخطر الحقيقي لم يكن يومًا خارجيًا فقط، بل داخليًا أيضًا، نابعًا من بنية سلطوية لا تحتمل النقد ولا تسمح بالاختلاف.
في النهاية، يبقى السؤال معلقًا:
كم مصطفى آخر يجب أن يسقط، حتى يدرك العالم أن ما يجري في تندوف ليس “قضية تحرر”، بل مأساة إنسانية وسياسية تُدار بالعقلية الأمنية نفسها التي لا تعيش إلا على الاغتيال والخوف؟
