من الافتتاح إلى النهائي: كيف تغيّرت صورة كأس إفريقيا في عيون العالم؟

أكادير الرياضي

بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

مع بلوغ بطولة كأس إفريقيا للأمم بالمغرب محطتها الختامية اليوم، لم يعد النقاش محصورًا في هوية المنتخب المتوَّج، بقدر ما أصبح مرتبطًا بتحوّل أعمق مسّ صورة البطولة نفسها في الوعي الكروي العالمي. فمنذ صافرة الافتتاح، بدا واضحًا أن القارة الإفريقية لم تكن فقط بصدد تنظيم مسابقة قارية، بل كانت تقدم نسخة تعيد تعريف مكانة كأس إفريقيا للأمم على الساحة الدولية.

  • افتتاح يعكس طموحًا جديدًا

انطلقت البطولة وسط اهتمام إعلامي غير مسبوق، مدعوم بتنظيم محكم وبنية تحتية حديثة عكست استعداد المغرب للتعامل مع الحدث بمنطق البطولات الكبرى. الملاعب، وسائل النقل، الخدمات اللوجستية، ومناطق الجماهير، كلها عناصر ساهمت في تقديم صورة مختلفة عن تلك التي ظلت تلاحق كأس إفريقيا لسنوات طويلة، حين كانت تُختزل في اختلالات تنظيمية أكثر مما تُقاس بقيمتها الرياضية.
هذا الافتتاح لم يكن مجرد لحظة بروتوكولية، بل شكّل رسالة واضحة مفادها أن كرة القدم الإفريقية دخلت مرحلة جديدة، عنوانها الاحتراف، والتخطيط المسبق، والقدرة على منافسة كبريات البطولات القارية من حيث التنظيم والحضور الإعلامي.

  • المغرب… دور يتجاوز الاستضافة

في قلب هذا التحول، برز دور المغرب بوصفه أكثر من مجرد بلد مضيف. فقد تعامل مع البطولة باعتبارها مشروعًا استراتيجيًا طويل الأمد، يُراكم خبرة تنظيمية ويعزز موقعه كمنصة كروية إفريقية ذات بعد دولي. الاستثمار في البنية التحتية الرياضية لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة رؤية واضحة جعلت من كرة القدم رافعة للتنمية وصورة للقوة الناعمة.
جاهزية الملاعب، سهولة تنقل المنتخبات والجماهير، وانسيابية العمل الإعلامي، كلها عوامل قلّصت هامش الارتجال، ورسّخت نموذجًا جديدًا لتنظيم البطولات الإفريقية. هذا النجاح لم يخدم صورة المغرب فحسب، بل أسهم بشكل مباشر في إعادة تسويق كأس إفريقيا للأمم عالميًا، ورفع منسوب الثقة لدى الشركاء التجاريين والناقلين الدوليين.

  • بطولة تتجاوز الإطار القاري

مع تقدم المنافسة، اتسع نطاق الاهتمام بالبطولة خارج حدود القارة. حضور مكثف لوسائل إعلام دولية، وتفاعل جماهيري واسع عبر المنصات الرقمية، أعادا تقديم كأس إفريقيا كحدث كروي غني بالقصص والدلالات، قادر على جذب المتابع العالمي، لا فقط الجمهور الإفريقي.
هذا التحول في التغطية الإعلامية أسهم في تغيير الخطاب السائد حول البطولة، من التركيز على الهامش والمشاكل، إلى إبراز القيمة الفنية والبعد الثقافي والإنساني لكرة القدم الإفريقية، بوصفها جزءًا فاعلًا من المشهد الكروي العالمي.

  • تطور فني يعكس نضج التجربة الإفريقية

على المستطيل الأخضر، عكست المباريات مستوى متقدمًا من النضج التكتيكي والفني. لم تعد المواجهات تُختزل في الاندفاع البدني، بل ظهرت أنماط لعب منظمة، ومرونة تكتيكية، وقدرة على إدارة الإيقاع واللحظات الحاسمة.
هذا التطور يعكس تراكم خبرات اللاعبين والمدربين الأفارقة، واحتكاكهم المستمر بأعلى مستويات المنافسة العالمية، ما منح البطولة مصداقية فنية أكبر، وساهم في تغيير نظرة المراقبين الدوليين إلى كرة القدم الإفريقية.

  • البعد الاقتصادي والتجاري للبطولة

إلى جانب الجانب الرياضي، كشفت هذه النسخة عن تحوّل لافت في القيمة الاقتصادية لكأس إفريقيا للأمم. ارتفاع عائدات الرعاية، توسّع حقوق البث، وزيادة الإقبال الجماهيري، أكدت أن البطولة لم تعد مجرد حدث رياضي دوري، بل أصبحت منتجًا كرويًا ذا جاذبية تجارية متنامية.
هذا المعطى يمنح الاتحاد الإفريقي لكرة القدم فرصة لإعادة الاستثمار في تطوير المسابقة، ويعزز موقعها ضمن الأجندة الدولية لكرة القدم، بما يواكب طموحات القارة.

  • النهائي… تتويج لمسار وصورة جديدة

وصول البطولة إلى نهائيها اليوم لا يمثل مجرد ختام لمنافسة كروية، بل هو تتويج لمسار كامل بدأ منذ الافتتاح، ونجح في إعادة رسم صورة كأس إفريقيا للأمم. النهائي يجمع بين الجودة الفنية والزخم الجماهيري، في مشهد يعكس هوية كروية إفريقية أكثر ثقة بنفسها، وأكثر حضورًا في المشهد العالمي.

  • كأس إفريقيا بعيون جديدة

ما بين الافتتاح والنهائي، تغيّرت الكثير من القناعات. لم تعد كأس إفريقيا تُقدَّم للعالم كمسابقة هامشية، بل كحدث يمتلك خصوصيته، وتاريخه، وقدرته على التطور. نسخة المغرب شكّلت نقطة تحوّل حقيقية، أكدت أن القارة الإفريقية قادرة على تنظيم بطولة تفرض احترامها، وتفرض معها إعادة النظر في موقعها داخل خريطة كرة القدم العالمية.
ومع إسدال الستار على هذه النسخة، قد يُتوج منتخب واحد باللقب، لكن الرابح الأكبر هو كأس إفريقيا للأمم نفسها، التي خرجت بصورة أكثر إشراقًا، وأكثر احترافية، وأكثر تأثيرًا في عيون العالم.

  • النهائي… فوز سنغالي ورسالة قارية جامعة

وجاءت المباراة النهائية لتُتوَّج بتتويج المنتخب السنغالي باللقب الإفريقي بعد فوزه على المنتخب المغربي بهدف واحد دون مقابل، في لقاء اتسم بالندية والانضباط التكتيكي والروح الرياضية العالية. وبهذه المناسبة، لا يسع المتابع إلا تهنئة المنتخب السنغالي على هذا التتويج المستحق، كما تُوجَّه التحية أيضًا للمنتخب المغربي الذي قدّم بطولة كبيرة، وأبان عن مستوى تنافسي راقٍ وأخلاق رياضية عالية، سواء داخل المستطيل الأخضر أو خارجه.
ولا يمكن إغفال الدور الإيجابي للجمهور المغربي الذي كان في الموعد، بحضوره الكثيف وسلوكه الحضاري، وكذا الإشادة بالبلد المنظم، المغرب، على النجاح اللافت لهذا التنظيم الذي شكّل علامة فارقة في تاريخ المسابقة. وفي المحصلة النهائية، ورغم تتويج منتخب واحد بالكأس، فإن الفائز الحقيقي هو القارة الإفريقية، التي أكدت مرة أخرى قدرتها على تقديم كرة قدم ذات جودة، وتنظيم يرقى إلى المعايير الدولية، وصورة مشرقة تعزز مكانتها في المشهد الكروي العالمي .

التعاليق (0)

اترك تعليقاً