أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
- تحول إقليمي مفصلي بقيادة قرار مجلس الأمن 2797
شهدت الساحة المغاربية هذا الأسبوع حراكًا سياسيًا لافتًا، عقب مشاركة الرئيس التونسي الأسبق، منصف المرزوقي، في ندوة نظّمها حزب جبهة القوى الديمقراطية بالمملكة المغربية. وأعاد تصريح المرزوقي إحياء النقاش حول مستقبل المنطقة المغاربية، خصوصًا بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي رسّخ مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الحل الواقعي والوحيد لنزاع الصحراء.
ووصف المرزوقي القرار بأنه “نقطة تحول مفصلية” أنهت سردية استمرت لعقود، كان النظام الجزائري خلالها يروّج لفكرة أنّ الملف “تصفية استعمار”، بينما يؤكد القرار الأممي وجود أربعة أطراف مباشرة: المغرب، الجزائر، موريتانيا، والبوليساريو، ما يجعل النزاع وفق المرزوقي سياسيًا وإقليميًا بامتياز، لا أمميًا ولا استعمارياً كما يدّعي البعض.
- انتقاد حاد لتعنت الجزائر… وصوت صادق من أجل المصالحة
لم يتردد المرزوقي في توجيه نقد واضح وصريح لما سمّاه “تعنت النظام الجزائري”، مؤكدًا أن هذا الإصرار على إدامة النزاع لم يخلف سوى خسائر اقتصادية واجتماعية فادحة للشعبين الجزائري والمغربي، بينما ظل الصحراويون المحتجزون في تندوف رهائن لصراع إقليمي لا يخدم إلا حسابات ضيقة.
وبرؤية رجل دولة يدرك الحساسية التاريخية للمنطقة، دعا المرزوقي إلى اعتماد الواقعية السياسية، خاصة في ظل التغيرات الدولية، مذكّرًا بأن الجزائر نفسها كادت تتصرف ببراغماتية في ملفات أخرى، كما حصل في تصويتها الأخير على قرار أممي يتعلق بغزة.
ودعا المرزوقي إلى نقل هذه الروح الواقعية إلى ملف الصحراء أيضًا، باعتباره ملفًا يعطّل مستقبل المنطقة بأسرها.
- موقف صريح من سياسات قيس سعيّد: “مواقف شاذة” لا تمثل تونس
في موقف غير مسبوق من الوضوح، تبرّأ المرزوقي من السياسات العدائية التي ينتهجها النظام التونسي الحالي تجاه المغرب، واصفًا إياها بالشاذة، ومشدّدًا على أن تونس عبر تاريخها وقيادتها المتعاقبة كانت دائمًا طرفًا في التقريب بين المغرب والجزائر، لا في تأجيج الخلاف بينهما.
وأكد أن ما يجري اليوم هو سياسة نظام، وليس موقف شعب أو دولة، مشيدًا بالثوابت المغربية وبسياسة اليد الممدودة التي يقودها الملك محمد السادس منذ سنوات.
- الحريات الخمس… مشروع وحدوي وأفق مستقبلي
وعاد المرزوقي إلى طرحه القديم الجديد حول “الحريات الخمس” بين الدول المغاربية: حرية التنقل والسفر والعمل والاستقرار والمشاركة في الانتخابات البلدية، باعتبارها خطوة عملية لبناء مغرب كبير متحد، رغم استمرار “السد” السياسي الذي يشكله الخلاف الجزائري المغربي.
وأوضح أنه طرح الفكرة سابقًا على قادة المنطقة، ولم يرفضها سوى النظام الجزائري. ومع ذلك، دعا برلمانيي المنطقة اليوم إلى إحياء الفكرة والدفع بها نحو التنفيذ، باعتبارها مشروعًا واقعياً لبداية الاندماج المغاربي.
- دبلوماسية مغربية ناجحة وموقع متقدم في إفريقيا
أشاد المرزوقي بما وصفه بـ”الدبلوماسية المغربية الذكية والمهنية”، التي راكمت نجاحات كبيرة على الصعيدين القاري والدولي، وأسهمت في الوصول إلى القرار الأممي الأخير. وأكد أن المغرب يتحرك بثقة ووضوح، يوسّع شبكة التحالفات ويعزز شراكاته الإفريقية بشكل جدّي ومسؤول.
- مرزوقي… رجل غيور على إفريقيا والمغرب الكبير
تجسدت مواقف المنصف المرزوقي في هذه الندوة وفي مساره السياسي صورة السياسي المثقف، الذي لا يخشى المجاهرة بالحقيقة ولا يساوم على مصلحة شعوب المنطقة.
لقد أثبت الرجل أنه أكثر من مجرد رئيس سابق؛ إنه صاحب مشروع فكري يقوم على الدفاع عن الديمقراطية، وحماية حقوق الشعوب، والنضال لأجل وحدة المغرب الكبير وإفريقيا.
إن صوته اليوم هو صوت وجدان مغاربي مشترك، يبحث عن مستقبل يتجاوز الحدود المصطنعة، ويستعيد حلم الاتحاد المغاربي الذي اندثر تحت ركام الخلافات.
- بنعلي: الوحدة المغاربية خيار استراتيجي لا رجعة فيه
من جانبه، أكّد الأمين العام لحزب جبهة القوى الديمقراطية، المصطفى بنعلي، أن الأزمة الإقليمية يجب أن تقود إلى بناء خطاب سياسي جديد، مستلهمًا من التوجهات التي عبّر عنها الملك محمد السادس خلال خطاب 31 أكتوبر.
وأشار بنعلي إلى أن الوحدة المغاربية ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة تنموية واستراتيجية، يضيع غيابها فرصًا هائلة لشعوب المنطقة.
- نحو أفق مغاربي جديد
تؤكد التصريحات الأخيرة للمرزوقي أن قرار مجلس الأمن 2797 قد يكون البداية الحقيقية لطي صفحة الصراع الذي كبّل المنطقة لعقود. فالمصالحة ليست حلمًا بعيدًا، بل خيارًا واقعياً، شرط توفر الإرادة السياسية.
وفي ظل هذه الدينامية الجديدة، يبدو أن المنطقة المغاربية، إن أحسنت استغلال اللحظة، قد تقف على أعتاب تحول تاريخي يعيد رسم مستقبلها، ويضع أسسًا جديدة لعلاقات تقوم على التعاون والاستقرار والازدهار.
