“ملك سويسرا” من أصل مغربي.. كيف صنعت أراضٍ بلا مالك قصة هزت الكانتونات؟

ليست القصة عن انقلاب، ولا عن عرش حقيقي، ولا عن رجل ينازع الدولة السويسرية سيادتها. إنها حكاية أكثر غرابة: شاب سويسري من أصل مغربي، اسمه جوناس لاوفينر، وجد في القانون السويسري بابًا ضيقًا، فدخل منه إلى عالم واسع من الرمزية والاستعراض والملكية العقارية غير المألوفة.

ظهر الرجل بزي ملكي، وتحدث عن “إمبراطورية”، وقدم نفسه إعلاميًا بصفته “ملك سويسرا”. لكن خلف الصورة المثيرة توجد مسألة قانونية دقيقة: أراضٍ مسجلة بلا مالك، وقطع طرق، ومساحات غابوية أو زراعية أو صناعية، انتقلت إلى ملكيته وفق آلية قانونية أثارت قلق سلطات محلية في أكثر من كانتون.

القصة، في عمقها، ليست فقط عن شخص وضع تاجًا فوق رأسه، بل عن سؤال أكبر: ماذا يحدث حين يستعمل فرد نصًا قانونيًا نادرًا بطريقة لم تكن السلطات تتوقع أن تتحول إلى مشروع كامل؟

من هو جوناس لاوفينر؟

جوناس لاوفينر شخصية سويسرية مثيرة للجدل، يقدم نفسه في موقعه الرسمي باعتباره من أب سويسري وأم مغربية، ويقول إنه يحمل الجنسيتين السويسرية والمغربية. وتذكر سيرته الذاتية المنشورة على موقعه أنه اشتغل في مجالات تقنية وصناعية، وأن اهتمامه بالأرض والتاريخ والرموز بدأ مبكرًا، قبل أن يتطور إلى مشروع سماه “Lauwiner Empire”.

وتؤكد Arab News أيضًا أن والده سويسري ووالدته مغربية، وأنه جعل من اللقب والزي والرموز الملكية جزءًا من مشروع استعراضي واسع، لكنها شددت على أن “العرش” والزي والبلاط المخترع عناصر رمزية، بينما الأرض التي يتحدث عنها حقيقية.

هذه النقطة أساسية في التحرير الصحفي: جوناس لاوفينر ليس ملكًا لسويسرا بالمعنى الدستوري أو القانوني، وسويسرا جمهورية فيدرالية لا تعترف له بأي سيادة. لذلك فالصياغة الأدق هي: “السويسري من أصل مغربي الذي يقدم نفسه ملكًا رمزيًا”، أو “المعروف إعلاميًا بملك سويسرا”.

كيف بدأت الحكاية؟

وفق السيرة المنشورة على موقع لاوفينر، حصل في عيد ميلاده العشرين على أول قطعة أرض من والده، وهي مرج زراعي صغير في منطقة Leuk. ويقدم الموقع هذه اللحظة باعتبارها بداية “مهمة” لاحقة للبحث عن أراضٍ بلا مالك وتملكها.

بعد ذلك، بدأ لاوفينر يستعمل المادة 658 من القانون المدني السويسري، وهي آلية تسمح بتملك عقارات بلا مالك وفق شروط قانونية محددة. ووفق موقعه الرسمي، تحولت العملية من اهتمام شخصي إلى مشروع أوسع شمل عدة كانتونات سويسرية.

لكن ما يبدو في الظاهر كحكاية طريفة يخفي خلفه تعقيدًا قانونيًا مهمًا. فالأرض “بلا مالك” في القانون السويسري لا تعني بالضرورة أرضًا مجهولة أو مهملة فقط، بل لها معنى قانوني أدق مرتبط بالتخلي الرسمي عن الملكية.

ما معنى “أرض بلا مالك” في القانون السويسري؟

الجواب الرسمي لحكومة كانتون زوغ، الصادر في يوليوز 2025، يوضح أن الأراضي التي يمكن تملكها في سويسرا هي فقط الأراضي “بلا مالك” وفق المادة 658 من القانون المدني السويسري. ويشرح الجواب أن الأرض لا تصبح بلا مالك فقط لأن مالكها مجهول، بل عندما لا تكون لها ملكية قائمة، غالبًا بعد أن يصرح المالك السابق أمام السجل العقاري بأنه يتخلى عنها.

وهذا التفصيل مهم جدًا لتفادي أي اتهام غير دقيق. فالقضية ليست “سطوًا” على أراضٍ مجهولة، بل استعمال لآلية قانونية موجودة. لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول هذه الآلية النادرة إلى استراتيجية منظمة لجمع عشرات أو مئات القطع، بعضها مرتبط بطرق أو ممرات أو أراضٍ لها أهمية عملية للسكان والبلديات.

ويشرح جواب كانتون زوغ أن حالات التخلي عن الملكية قد تظهر مثلًا عندما تنشئ جهة عقارية مشروعًا سكنيًا وتبيع القطع، لكنها تترك طرقًا أو مرافق وصول مسجلة كقطع مستقلة، ثم تتخلى عنها لاحقًا لأنها لا تحقق لها قيمة أو قد تحملها أعباء صيانة ومسؤولية.

كم يملك فعلًا؟

هنا يجب توخي الحذر. الأرقام المتداولة تختلف من مصدر إلى آخر. SRF السويسرية ذكرت أن لاوفينر يملك نحو 150 عقارًا في عدة كانتونات، تشمل طرقًا وغابات وأراضي زراعية وصناعية. كما ذكرت أن هذه العقارات حصل عليها مجانًا باعتبارها أراضي بلا مالك.

في المقابل، تحدثت تقارير دولية عن 148 قطعة أرض بمساحة إجمالية تقارب 117 ألف متر مربع، بينما يقول موقع لاوفينر نفسه إن عدد ممتلكاته وصل إلى 151 قطعة في تسعة كانتونات حتى 2025.

لذلك، الصياغة المهنية الأفضل هي: “تتحدث تقارير إعلامية عن نحو 150 قطعة أرض، بمساحة تتجاوز 100 ألف متر مربع، بينما تذكر بعض التقارير رقمًا يقارب 117 ألف متر مربع”. هذه الصياغة تحافظ على الدقة ولا تقدم رقمًا واحدًا كحقيقة نهائية غير موثقة بسجل عقاري شامل.

لماذا تحولت القصة إلى صداع للسلطات؟

في البداية، كان يمكن التعامل مع القصة كغرابة إعلامية: رجل يحب الرموز، يرتدي زيًا ملكيًا، يتحدث عن إمبراطورية، ويستعمل لغة مسرحية. لكن المسألة تحولت إلى ملف سياسي وقانوني عندما صار امتلاك هذه القطع يخلق مشاكل عملية مع البلديات والسكان.

SRF أوردت مثالًا من منطقة Geuensee في كانتون لوسيرن، حيث طلب لاوفينر، وفق التقرير، من البلدية إما تسمية طريق باسمه “Lauwinerstrasse” أو دفع 150 ألف فرنك سويسري مقابل التخلي عنه. وقدم لاوفينر هذا المبلغ باعتباره قاعدة للتفاوض، قائلًا إن البلدية لم تقدم له عرضًا مضادًا.

هنا بالضبط تتغير القصة من “شخصية غريبة” إلى “مشكلة إدارة محلية”. فامتلاك جزء من طريق أو ممر قد يفتح بابًا لنزاعات حول المرور، الصيانة، المسؤولية، حق الوصول إلى المنازل، وحقوق الجيران. ولهذا بدأت بعض الكانتونات تفكر في تعديل قوانينها حتى لا تنتقل هذه الأراضي تلقائيًا إلى خواص دون إعطاء البلديات حق الأولوية.

برن تتحرك لإغلاق الباب

كانتون برن أعلن، وفق SRF، رغبته في تعديل القانون حتى لا يحصل الأفراد بسهولة على العقارات بلا مالك. ويقترح المشروع منح البلديات حق أولوية، واشترط موافقتها قبل انتقال الملكية إلى الخواص. وذكرت حكومة برن أن الهدف هو منع التجارة بهذه العقارات وتفادي أوضاع جوار معقدة.

هذا التطور يكشف أن المسألة تجاوزت حدود الطرافة. عندما تضطر حكومة كانتون إلى مراجعة نص قانوني بسبب ممارسات شخص واحد، فهذا يعني أن لاوفينر لم يخلق “مملكة” سياسية، لكنه خلق اختبارًا حقيقيًا لنظام الملكية العقارية.

جورا بدورها تتحسب

لم يتوقف الأمر عند برن. فقد نقلت SRF عن كانتون جورا أنه يريد بدوره التحرك لمنع تكرار السيناريو نفسه. ووفق المصدر نفسه، توجد في جورا أقل من عشر قطع أرض بلا مالك أو مجهولة الملكية، لكن السلطات تلقت بالفعل طلبات معلومات من شخصين حول هذه القطع.

وتريد سلطات جورا، وفق التقرير، اتباع مثال كانتونات أخرى مثل فو وفالي، عبر منح البلديات حق الأولوية إذا كانت هناك أراضٍ لا تعود ملكيتها لأحد. والفكرة هنا واضحة: إذا كانت الأرض مرتبطة بالمصلحة المحلية، فالأقرب أن تذهب للبلدية لا لشخص يحولها إلى أداة تفاوض أو جزء من “إمبراطورية” رمزية.

“إمبراطورية” رمزية فوق أرض حقيقية

اللافت في قصة لاوفينر هو المزج بين الخيال والواقع. “المملكة” رمزية، واللقب غير رسمي، والزي والبروتوكول والرتب أقرب إلى مسرح سياسي خاص. لكن الأرض حقيقية، والسجلات العقارية حقيقية، والنزاعات مع البلديات حقيقية أيضًا.

موقعه الرسمي يقول إنه توج نفسه سنة 2019 في كنيسة Nydeggkirche في برن ضمن احتفال رمزي، وإن لقب “ملك سويسرا” التصق به لاحقًا عبر الإعلام الألماني والدولي، ثم تبناه لأنه يناسب مساره غير المألوف. كما يذكر الموقع أنه لا يطالب بسلطة سياسية، وأن “الملك” بالنسبة إليه أقرب إلى قائد أو صاحب رؤية.

لكن طريقة العرض نفسها تزيد الجدل. فالرايات، الزي، “الأوامر الملكية”، الحديث عن “حملة”، والصور بجانب مركبات عسكرية قديمة، كلها عناصر تجعل القصة سهلة التداول إعلاميًا، لكنها تثير في الوقت نفسه حساسية في بلد يقوم نظامه السياسي على الفيدرالية والديمقراطية المباشرة.

هل استغل ثغرة أم طبق القانون؟

السؤال القانوني الدقيق ليس: هل ما فعله ممنوع؟ بل: هل كان القانون يتوقع أن يستعمل بهذه الطريقة؟

SRF تصف ما قام به بأنه تملك قانوني لأراضٍ بلا مالك، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن السلطات في برن تريد تعديل القانون للحد من هذه الممارسات. وهذا يعني أن المشكلة ليست بالضرورة في مخالفة واضحة، بل في فراغ أو آلية سمحت بنتائج مزعجة محليًا.

أما جواب حكومة زوغ فيوضح أن الاستحواذ على عقار بلا مالك ممكن قانونًا، وأن النزاعات بين أكثر من مدعٍ للحق في أرض بلا مالك يمكن أن تحسم أمام القضاء المدني. كما يشير إلى أن وجود مالك قد يكون أحيانًا مفيدًا لأنه يحدد جهة تتحمل المسؤولية، لكن الصعوبة تظهر عندما يتعلق الأمر بقطعة طريق أو مرفق وصول مهم لعقارات أخرى.

بعبارة أبسط: ما فعله لاوفينر يبدو ممكنًا قانونيًا في حالات معينة، لكنه كشف أن القانون قد يحتاج إلى حماية إضافية عندما يتعلق الأمر بطرق وممرات ومرافق ذات نفع جماعي.

لماذا يهم القارئ المغربي؟

الزاوية المغربية لا يجب أن تكون تهويلية. لا توجد، حسب المصادر المتاحة، أي علاقة رسمية للمغرب بهذا الملف، ولا موقف مغربي معلن بشأنه. البعد المغربي محصور في أصل والدته وجنسيته المغربية التي تشير إليها مصادر عدة.

لكن القصة تهم القارئ المغربي من زاويتين. الأولى أنها تخص شخصية من أصول مغربية أثارت جدلًا في بلد أوروبي معروف بدقة قوانينه. والثانية أنها تقدم درسًا واسعًا حول قوة التفاصيل القانونية الصغيرة: نص واحد في قانون الملكية يمكن أن يفتح بابًا لقصة عالمية، إذا وجد من يقرأه بطريقة مختلفة.

وهذه الزاوية تجعل المقال أعمق من مجرد خبر غريب. فالقصة ليست: “مغربي صار ملكًا في سويسرا”، لأن ذلك غير صحيح. القصة الأدق: “سويسري من أصل مغربي صنع مملكة رمزية من أراضٍ بلا مالك، ودفع سلطات سويسرية إلى التفكير في تعديل قواعد قانونية”.

ما الذي لا يمكن تأكيده؟

لا يمكن تأكيد رقم 117 ألف متر مربع من خلال سجل عقاري رسمي شامل متاح في المصادر التي راجعتها هنا. الرقم وارد في تقارير إعلامية، لذلك ينبغي نسبه إلى هذه التقارير لا تقديمه كحقيقة نهائية. كما لا يمكن تأكيد كل التفاصيل التي ينشرها لاوفينر عن مشروعه الرمزي إلا بوصفها روايته الذاتية، لأنها منشورة على موقعه الرسمي وليست وثيقة حكومية مستقلة.

ولا توجد أيضًا، في المصادر التي راجعتها هيئة تحرير أكادير24، أي قرينة على أن “مملكته” معترف بها رسميًا، أو أنها تحمل صفة سيادية. كل المؤشرات المتاحة تؤكد أنها مشروع رمزي/استعراضي، بينما النزاع الحقيقي يدور حول ملكية الأراضي وطرق استعمالها.

خلاصة المقال

تكشف قصة جوناس لاوفينر، السويسري من أصل مغربي المعروف إعلاميًا بـ“ملك سويسرا”، كيف يمكن لنص قانوني نادر حول الأراضي بلا مالك أن يتحول إلى قضية رأي عام، بعدما جمع قطعًا عقارية متفرقة وصنع منها “مملكة” رمزية أثارت قلق بعض الكانتونات.

  • القصة لا تتعلق بعرش رسمي، بل بمشروع رمزي يستند إلى امتلاك أراضٍ حقيقية.
  • تقارير إعلامية تتحدث عن نحو 150 قطعة أرض، بينها رقم متداول يقارب 117 ألف متر مربع، دون تأكيد رسمي موحد.
  • بعض الكانتونات السويسرية تدرس تعديل القواعد لمنح البلديات أولوية في الأراضي بلا مالك حمايةً للمصلحة العامة.
شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *