بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
في رقعةٍ ضيقة من الماء، لا يتجاوز عرضها بضع عشرات الكيلومترات، يتجسد اختناق عالمٍ بأكمله. مضيق هرمز، هذا الشريان الحيوي الذي تعبره ثروات الأرض، لم يعد مجرد ممرٍ بحري، بل تحوّل إلى رمزٍ صارخ لعالمٍ تُدار فيه المصالح بالقوة، وتُقاس فيه القيم بميزان النفوذ لا بميزان العدالة.
هنا، لا تعبر السفن فقط، بل تمر أيضًا رهانات الدول الكبرى، وتتصادم حسابات السياسة، وتُختبر حدود الصبر العالمي. كل توتر في هذا المضيق ليس حدثًا محليًا عابرًا، بل إنذارٌ يرتد صداه في الاقتصاد العالمي، ويربك أسواق الطاقة، ويزرع القلق في قلوب الملايين. ومع ذلك، يبقى السؤال الأعمق: كيف وصل الإنسان إلى هذه المرحلة التي تصبح فيها نقطة جغرافية رهينة صراعٍ مفتوح؟
الحقيقة المؤلمة أن ما يحدث ليس قدرًا محتومًا، ولا مشيئة تُفرض من السماء، بل هو نتاج مباشر لاختيارات بشرية. لقد خُلق الإنسان مزودًا بالعقل والضمير، لا ليحوّل النعم إلى أدوات صراع، بل ليجعل منها جسورًا للتعاون. غير أن أطماع السياسة، حين تنفلت من أي قيد أخلاقي، تحوّل هذه الجسور إلى خطوط مواجهة.
في الشرق الأوسط، تتكثف هذه الصورة بشكل أكثر حدة. منطقةٌ تزخر بالثروات والتاريخ، لكنها تعيش تحت وطأة صراعات لا تنتهي. تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية، وتُستغل فيها الانقسامات، ويُعاد إنتاج الأزمات جيلاً بعد جيل. ومضيق هرمز يقف في قلب هذه المعادلة، كأنّه مرآة تعكس عجز العالم عن إدارة خلافاته بطرق إنسانية.
لكن ما يُثير القلق أكثر من الصراع نفسه، هو ذلك الصمت الذي يحيط به. صمت الضمير العالمي حين تتحول الأزمات إلى أرقام، والضحايا إلى إحصاءات، والمعاناة إلى خبر عابر. في هذا الصمت، تكمن خطورة أكبر من ضجيج السلاح؛ لأنه يمنح الصراعات شرعية غير معلنة، ويُطيل عمر المأساة.
إن تنزيه الخالق عن هذه الفوضى ليس مجرد موقف إيماني، بل ضرورة أخلاقية. فالله لم يخلق الحروب، بل خلق إنسانًا قادرًا على الاختيار. وما نراه اليوم في مضيق هرمز وفي غيره ليس إلا انعكاسًا لانحراف هذا الاختيار، حين تُقدَّم المصالح الضيقة على القيم، ويُستبدل العدل بمنطق القوة.
لقد أصبح واضحًا أن المشكلة ليست في الجغرافيا، بل في الإنسان نفسه—في أنظمة لا ترى في السلام مكسبًا، وفي قوى تعتبر التوتر أداة ضغط، وفي عالمٍ لم يتعلم بعد أن الأمن الحقيقي لا يُبنى على تهديد الآخرين، بل على ضمان حقوقهم.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال المشهد في اليأس. فكما أن الإنسان هو من صنع هذه الأزمات، فهو أيضًا القادر على إنهائها. إعادة الاعتبار للقيم، وإحياء صوت الضمير، والاعتراف بأن الاستقرار لا يتحقق إلا بالعدل ،كلها ليست شعارات، بل شروط أساسية للخروج من هذا النفق.
في النهاية، يظل مضيق هرمز أكثر من مجرد ممرٍ مائي؛ إنه اختبارٌ مستمر لإنسانية الإنسان. وبين أن يبقى رمزًا للاختناق، أو يتحول إلى مساحة للتعاون، يتحدد مصير لا منطقة واحدة فحسب، بل عالمٍ بأسره.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله