حين تتجه الأنظار إلى الشرق الأوسط كلما اهتزت أسواق الطاقة وارتفع القلق حول مضيق هرمز، يظهر لاعب جديد من غرب إفريقيا ليطرح معادلة مختلفة: مصفاة دانغوتي النيجيرية لم تعد مجرد مشروع صناعي ضخم داخل نيجيريا، بل بدأت تتحول إلى جزء من إعادة رسم خريطة تجارة الوقود عالميا.
ففي لحظة تشهد فيها سلاسل التوريد اضطرابات متكررة، سواء بسبب التوترات الجيوسياسية أو القيود المرتبطة بالممرات البحرية، وجدت المصفاة الواقعة في منطقة ليكي قرب لاغوس فرصة للصعود السريع، مستفيدة من موقعها الأطلسي، وحجمها الكبير، وقدرتها المتنامية على تصدير المنتجات المكررة.
وتشير تقارير سوقية متخصصة إلى أن مصفاة دانغوتي برزت خلال الأشهر الأخيرة في سوق وقود الطائرات، بعدما صعدت صادرات نيجيريا من هذه المادة نحو أوروبا في ظل اضطرابات الإمدادات القادمة من الخليج. وذكرت “رويترز” أن أوروبا شهدت في أبريل 2026 تدفقات قياسية من وقود الطائرات من الولايات المتحدة ونيجيريا، بعد أن عطلت الأزمة المرتبطة بإيران ومضيق هرمز جزءا من الإمدادات التقليدية من منطقة الخليج.
وتكتسي هذه النقطة أهمية كبيرة، لأن وقود الطائرات من أكثر المنتجات حساسية في سلاسل الطاقة. فهو لا يهم المصافي وحدها، بل يرتبط مباشرة بحركة الطيران، وشركات النقل الجوي، والمطارات، والسياحة، والاقتصاد العالمي. لذلك، عندما تستطيع مصفاة إفريقية حديثة الدخول بقوة إلى هذا السوق، فإن الأمر يتجاوز حدود نيجيريا.
وبحسب “إس أند بي غلوبال كوموديتي إنسايتس”، فقد واصلت مصفاة دانغوتي تعزيز حضورها في تجارة المنتجات المكررة، حيث أظهرت بيانات الشحنات أن المصفاة صدّرت كميات كبيرة من المنتجات إلى أسواق خارجية، بينها أوروبا، في سياق ارتفاع الطلب على بدائل للإمدادات التقليدية. كما أوردت المنصة في تقرير أحدث أن المصفاة كانت أكبر مصدر عالمي لوقود الطائرات في أبريل، وفق بياناتها السوقية المتخصصة.
هذا الصعود لم يأت من فراغ. فمصفاة دانغوتي، التي بدأت عملياتها سنة 2024 بعد سنوات من التأخر، صممت بطاقة تصل إلى 650 ألف برميل يوميا، ما يجعلها أكبر مصفاة في إفريقيا وأحد أكبر المشاريع الصناعية الخاصة في القارة. وتراهن نيجيريا من خلالها على تقليص اعتمادها التاريخي على استيراد الوقود، رغم كونها من كبار منتجي النفط الخام.
وتكمن المفارقة النيجيرية في أن البلاد ظلت لسنوات تصدر النفط الخام وتستورد البنزين والديزل والوقود المكرر. لذلك، يمثل تشغيل مصفاة دانغوتي تحولا هيكليا: نيجيريا لا تريد أن تبقى مجرد منتج للخام، بل تسعى إلى امتلاك جزء أكبر من سلسلة القيمة، من استخراج النفط إلى تكريره وتسويق منتجاته.
غير أن طموح دانغوتي لم يعد محصورا في السوق النيجيرية. فالمجموعة أعلنت، عبر تصريحات وصفقات حديثة، خطة لتوسيع القدرة التكريرية للمصفاة إلى 1.4 مليون برميل يوميا خلال السنوات المقبلة. وذكرت “رويترز” أن دانغوتي وقع اتفاقا بقيمة 400 مليون دولار مع شركة XCMG الصينية لتسريع توسعة المصفاة، ضمن برنامج يهدف إلى رفع طاقتها الإنتاجية وتعزيز مشاريع البتروكيماويات والبنية التحتية.
كما دخلت المجموعة في شراكات تقنية جديدة، بينها تعاون مع شركة “هانيويل” الأمريكية لتوسيع إنتاج مواد بتروكيماوية مرتبطة بالبلاستيك والمنظفات، ما يؤكد أن المشروع لا يستهدف الوقود فقط، بل بناء مجمع صناعي متكامل حول التكرير والبتروكيماويات.
وهنا يصبح سؤال “دانغوتي” أكبر من نيجيريا. فإفريقيا، التي تستورد نسبة كبيرة من حاجياتها من المنتجات المكررة، تحتاج إلى مصافٍ قادرة على تقليص التبعية للأسواق الخارجية، وتوفير بدائل إقليمية عند الأزمات. وفي هذا السياق، قد تتحول المصفاة النيجيرية إلى مركز إمداد لغرب ووسط إفريقيا، وربما إلى لاعب في أسواق أوروبا والأطلسي.
ومع ذلك، فإن الصعود السريع لمصفاة دانغوتي لا يخلو من حساسيات. ففي الداخل النيجيري، تواجه الشركة نقاشا قانونيا وتنظيميا حول واردات الوقود والمنافسة، بعدما اتهمت شركة النفط الوطنية النيجيرية NNPC مصفاة دانغوتي بالسعي إلى احتكار سوق الوقود، على خلفية طعنها في منح تراخيص استيراد لمنافسين. وتؤكد NNPC أن تقييد الواردات قد يضر بأمن الإمدادات واستقرار الأسعار، بينما تدافع دانغوتي عن أولوية حماية التكرير المحلي.
هذا الجدل يعكس التوتر الطبيعي بين هدفين: بناء صناعة وطنية قوية من جهة، وضمان المنافسة وتفادي الاحتكار من جهة أخرى. فإذا نجحت دانغوتي في سد حاجيات السوق النيجيرية وتصدير الفائض، فقد تصبح قوة طاقية إفريقية جديدة. لكن إذا تحول نفوذها إلى احتكار داخلي، فقد تجد نفسها أمام مقاومة تنظيمية وسياسية.
وعلى المستوى العالمي، يأتي صعود دانغوتي في توقيت لافت. فالأزمات حول مضيق هرمز، واضطرابات البحر الأحمر، وتقلبات أسعار النفط، كلها تدفع الدول والشركات إلى البحث عن مصادر أكثر تنوعا للوقود. في هذا المناخ، يصبح الموقع الجغرافي للمصفاة على الساحل الأطلسي النيجيري ميزة استراتيجية، خاصة بالنسبة لأوروبا وغرب إفريقيا.
كما أن التحول نحو وقود الطائرات يكشف بعدا آخر. فالطلب العالمي على الطيران يتعافى بقوة، والمطارات وشركات الطيران تحتاج إلى إمدادات مستقرة. وعندما تتراجع قدرة الخليج على تلبية جزء من الطلب بسبب توترات الممرات البحرية، تصبح الإمدادات القادمة من الولايات المتحدة ونيجيريا جزءا من إعادة التوازن.
بالنسبة لإفريقيا، تمثل تجربة دانغوتي درسا اقتصاديا واضحا: امتلاك المواد الخام لا يكفي. القيمة الحقيقية تتحقق عندما تنتقل الدول من بيع الخام إلى تصنيع المنتجات النهائية وتصديرها. وهذا ما ينطبق على النفط كما ينطبق على الفوسفاط والمعادن والفلاحة والصناعات الغذائية.
لكن هذا الدرس يحتاج إلى شروط: تمويل ضخم، بنية تحتية، إدارة صناعية، استقرار تنظيمي، وربط لوجستي قوي بالموانئ والأسواق. ودون هذه العناصر، تبقى الطموحات الصناعية مجرد شعارات. دانغوتي، بكل ما يحيط به من جدل، قدم نموذجا لما يمكن أن يحدث عندما يجتمع رأس المال الكبير مع مشروع صناعي قاري.
ولا يعني ذلك أن الطريق مفتوح بلا عراقيل. فالمصفاة ستواجه تقلبات أسعار الخام، ومنافسة المصافي الآسيوية والأمريكية، وتحديات تزويدها بالنفط المحلي، ومطالب السوق النيجيرية الداخلية، والرقابة السياسية على الأسعار والاحتكار. كما أن التوسع إلى 1.4 مليون برميل يوميا سيحتاج إلى تنفيذ دقيق حتى لا يتحول الطموح إلى عبء مالي وتشغيلي.
ومع ذلك، فإن ما حدث خلال الأشهر الأخيرة يؤكد أن دانغوتي لم تعد مشروعا محليا فقط. فكلما اهتزت سلاسل الطاقة في الشرق الأوسط، ارتفعت قيمة البدائل في الأطلسي. وكلما احتاجت أوروبا وإفريقيا إلى إمدادات مرنة من وقود الطائرات والديزل والبنزين، تقدم اسم نيجيريا أكثر.
ومن هنا، يمكن القول إن مصفاة دانغوتي لا تعيد رسم خريطة الطاقة لأنها الأكبر في إفريقيا فقط، بل لأنها ظهرت في لحظة عالمية حساسة، حيث لم يعد أمن الطاقة يقاس فقط بحجم الإنتاج، بل بتنوع مصادر الإمداد، ومرونة طرق الشحن، والقدرة على التكرير بالقرب من الأسواق المحتاجة.
في النهاية، قد لا تكون دانغوتي بديلا كاملا عن الخليج أو المصافي العملاقة في آسيا وأمريكا، لكنها باتت رقما جديدا في معادلة الطاقة. وإذا نجحت في رفع طاقتها، وتفادي فخ الاحتكار، وبناء شبكة إفريقية للتوزيع، فقد تفتح الباب أمام دور إفريقي مختلف: قارة لا تكتفي بتصدير الخام، بل تبيع للعالم وقودا ومنتجات مكررة بقيمة مضافة أعلى.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله