لا تحرقوا الجسر الأخير: لماذا سيحتاج الجزائريون إلى المغرب حين يسقط الوهم؟

أخبار وطنية

بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

في السياسة، قد تُكسب الخصومة نقاطًا ظرفية، لكنها لا تصنع مستقبلًا. وفي الجغرافيا، لا يمكن تبديل الجيران كما تُبدَّل التحالفات. من هنا، تبدو العلاقة المغربية الجزائرية أكبر من نزاع سياسي، وأعمق من توتر عابر، وأخطر من أن تُدار بعقلية القطيعة الدائمة.
هذه الكلمات ليست موجّهة إلى سلطة، ولا إلى نظام، بل إلى الشعب الجزائري الشقيق، الذي لم يكن يومًا خصمًا للمغرب، كما لم يكن المغرب يومًا عدوًا له.

  • المغرب: يد ممدودة رغم الإساءات

منذ الاستقلال، لم يُسجَّل على المغرب دولةً وملكًا وشعبًا أنه أساء إلى جيرانه، أو دعا إلى تفكيكهم، أو استثمر في أزماتهم الداخلية.
بل على العكس، ظلّ الملوك المغاربة، من محمد الخامس إلى الحسن الثاني وصولًا إلى الملك محمد السادس، يؤمنون إيمانًا ثابتًا بأن الجزائر الشقيقة ركيزة استقرار المنطقة، وأن الخلاف لا يلغي الأخوّة.
ورغم ذلك، لم تتوقف الإساءات الرسمية الجزائرية تجاه المغرب منذ عقود، لا في الخطاب، ولا في الممارسة، ولا في السياسات العدائية الممنهجة.
وأبشع هذه الصفحات، تلك التي لا تزال جرحًا مفتوحًا في الذاكرة:
طرد عشرات الآلاف من المواطنين المغاربة من الجزائر سنة 1976، وتجريدهم قسرًا من بيوتهم، وأرزاقهم، بل ومن أبنائهم وأزواجهم المختلطين، في واحدة من أكثر القرارات الجماعية قسوة في تاريخ المنطقة المغاربية الحديث.
ومع ذلك، اختار المغرب ضبط النفس، ولم يحوّل المأساة إلى أداة انتقام، ولا إلى خطاب كراهية ضد الشعب الجزائري.

  • نظام يعيش على صناعة العدو

المشكلة لم تكن يومًا بين الشعبين، بل في نظام عسكري جزائري بنى شرعيته على منطق الصراع الدائم.
احتاج هذا النظام إلى عدو خارجي، فكان المغرب هو الخيار الأسهل، لا لشيء إلا لأنه اختار الاستقرار، وبناء الدولة، والانفتاح على العالم.
قضية الصحراء المغربية كانت الورقة الأكثر استهلاكًا في هذا الصراع المصطنع.
نصف قرن من الدعاية، مليارات من أموال الشعب الجزائري، واستنزاف سياسي وأخلاقي لقضية لا تعود على الجزائريين بأي منفعة. واليوم، مع التحولات الدولية المتسارعة، والاعتراف المتنامي بمغربية الصحراء، يقترب هذا الملف من نهايته الواقعية.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي:
ماذا سيقول النظام لشعبه حين تنتهي الرواية؟
كيف سيبرّر خمسين سنة من الكذب، ومن هدر الثروة الوطنية في معركة خاسرة لم تكن يومًا معركة الجزائريين؟

  • أزمات داخلية تتراكم بلا حلول

إلى جانب الفشل الخارجي، تتكدس الأزمات الداخلية:
قضية القبائل التي اختار النظام مواجهتها بالتخوين بدل الحوار.
الانسداد السياسي وغياب أفق التداول الحقيقي على السلطة.
قيادة هرِمة فقدت القدرة على قراءة التحولات، ولا تملك سوى أدوات الماضي.
التاريخ يعلّمنا أن الأنظمة التي ترفض الإصلاح، غالبًا ما تختار سياسة الأرض المحروقة: خلق أزمات، تصدير التوتر، وجرّ البلاد إلى حافة الانفجار بدل تسليم السلطة بهدوء.

  • حين تشتد العاصفة… من سيبقى؟

في لحظة الحقيقة، حين تشتد العواصف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سيبحث الشعب الجزائري عن سند إقليمي صادق، لا يشمت ولا يبتز ولا يغلق الأبواب.
وسيكتشف كما اكتشف من قبل أن المغرب كان دائمًا ذلك السند:
لم يراهن على انهيار الجزائر
لم يستثمر في أزماتها
ولم يغلق يده يومًا في وجه شعبها
المغرب يؤمن، عن قناعة لا عن مصلحة، بأن قوة الجزائر من قوته، وأن ضعفها خطر على الجميع.

  • رسالة أخيرة إلى الجزائريين

لا تخسروا المغرب بسبب نظام عابر.
لا تحرقوا الجسر الأخير باسم خصومة لا تخدمكم.
فالأنظمة تزول، والخطابات تتغير، لكن الجغرافيا لا ترحل، والتاريخ لا يُمحى، والأخوّة الحقيقية تظهر في زمن الشدة لا في زمن الشعارات.
وحين تحتاج الجزائر، كما احتاجت من قبل، ستجد أن المغرب رغم كل شيء لا يزال يؤمن بأن الأخ لا يُستبدل، وأن الجار لا يُعاد رسمه، وأن المستقبل المغاربي لا يُبنى بالكراهية.
و التاريخ يعيد نفسه، وإن اختلفت الوجوه.