يحتل الإعلام مكانة مركزية في البناء الدستوري للدولة الديمقراطية، باعتباره أحد أهم تجليات حرية التعبير ورافعة أساسية للنقاش العمومي وتشكيل الرأي العام. وقد أولى الدستور المغربي لسنة 2011 عناية خاصة لقطاع الصحافة، من خلال التنصيص على مبدأ التنظيم الذاتي المستقل والديمقراطي، بموجب الفصل 28 منه. وفي هذا الباب يندرج قرار المحكمة الدستورية رقم 261/26 الصادر بتاريخ 22 يناير 2026 في ملف الطعن عدد 309/26، المتعلق بمراقبة دستورية القانون 26/25، و القاضي بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، باعتباره اجتهاد قضائي بالغ الأهمية، ليس فقط من حيث نتائجه بل كذلك من حيث منطلقاته التأويلية وآثاره على هندسة التنظيم الذاتي للقطاع الإعلامي.
ونهدف من خلال مقالنا إلى تقديم قراءة قانونية نقدية متواصلة لهذا القرار، من خلال إبراز إسهام المحكمة الدستورية في تكريس مبادئ الديمقراطية والتعددية والحياد، مع الوقوف عند بعض حدود الرقابة الدستورية في علاقتها بالسلطة التقديرية للمشرع.
فمن حيث التنظيم الذاتي للصحافة بين الاستقلال والديمقراطية التمثيلية،نرى أن المحكمة الدستورية أكدت في معرض فحصها لمقتضيات القانون المحال، أن التنظيم الذاتي للصحافة لا يتحقق بمجرد إحداث هيئة مستقلة من الناحية الشكلية، بل يفترض قيامها على أسس ديمقراطية حقيقية قوامها التوازن في التمثيل بين مختلف مكونات الجسم الصحافي. و من خلال هذا الفهم القانوني السليم، صرحت بعدم دستورية البند (ب) من المادة الخامسة، لكونه أخل بمبدأ التساوي والتوازن بين فئتي الصحافيين المهنيين والناشرين داخل المجلس الوطني للصحافة.
ويستشف من تعليل المحكمة الدستورية أن الفصل 28 من الدستور لا يقر فقط مبدأ إستقلال التنظيم الذاتي عن السلطة التنفيذية، بل يربطه كذلك بالديمقراطية الداخلية للمجلس ، بما يمنع تغليب منطق القوة العددية أو الإقتصادية لفئة معينة على حساب أخرى. وهو توجه ينسجم مع فلسفة وروح الدستور التي تجعل من الإعلام سلطة مجتمعية قائمة على التعدد لا على الهيمنة.
كما أن التعددية المهنية ورفض الاحتكار في التمثيلية داخل المجلس من بين أبرز ما جاء به القرار، حيت صريحت المحكمة الدستورية بعدم دستورية المادة 49 من القانون المحال، والتي كانت تتيح للمنظمة المهنية الحاصلة على أكبر عدد من الحصص التمثيلية الاستحواذ على جميع المقاعد المخصصة لفئة الناشرين. وقد إعتبرت قضاة المحكمة أن هذا المقتضى يتعارض مع الفصل الثامن من الدستور، الذي يقر بالتعددية في تمثيل المنظمات المهنية للمشغلين.
ويحمل هذا التوجه المهم للمحكمة الدستورية دلالة دستورية عميقة، مفادها أن مفهوم “التمثيلية” لا يمكن أن يفهم بمعزل عن مبدأ التعدد، وأن الشرعية المهنية لا تبرر الإقصاء المطلق لباقي الفاعلين المستوفين للشروط القانونية. وعليه أسهم القضاء الدستوري من خلال هذا القرار في حماية التوازن البنيوي داخل المجلس الوطني للصحافة، و منع تحوله إلى فضاء إحتكاري قد يفرغ التنظيم الذاتي من مضمونه الديمقراطي.
كما أكد قرار المحكمة الدستورية الحياد و إحترام شروط و ضمانات المحاكمة العادلة داخل الهيئات المهنية،ففي بعده الحقوقي يكتسي القرار أهمية خاصة من خلال تصريحه بعدم دستورية المادة 93، بسبب الجمع بين وظيفة البت الإبتدائي ووظيفة الاستئناف التأديبي داخل المجلس،حيث شددت المحكمة الدستورية على أن مبدأ الحياد المستخلص من ضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في الفصول 118 و120 من الدستور، يقتضي الفصل التام بين من ساهم في إتخاذ القرار التأديبي الأولي وبين من ينظر في الطعن الموجه ضده.
ونرى أن هذا الموقف يمثل إمتداد الاجتهاد الدستوري الذي يكرس المعايير الكونية للمحاكمة العادلة، ويؤكد أن الهيئات المهنية و رغم طابعها غير القضائي الصرف، تبقى ملزمة بإحترام المبادئ الدستورية الأساسية كلما مارست سلطات تقريرية تمس الوضع القانوني للأفراد.
وجاء في قضاء المحكمة الدستورية من خلال القرار عدد 261/26 التأكيد على حدود الرقابة الدستورية وسلطة المشرع التقديرية . غير أنه و على الرغم من الطابع المتقدم للقرار، فإن المحكمة الدستورية تبنت في بعض المواضع قراءة متساهلة نسبيا تجاه إختيارات المشرع، خاصة فيما يتعلق بالمواد المرتبطة بتحديد الجرائم التأديبية ومعايير الإنتداب، إذ إعتبرت أن هذه الإختيارات تندرج ضمن السلطة التقديرية للمشرع، ما دامت لا تمس جوهر الحقوق الدستورية.
غير أن هذا التوجه يثير نقاش فقهي مشروع حول حدود هذه السلطة، لاسيما في مجال مهم وحساس يرتبط بحرية الصحافة، حيث قد يؤدي توسيع هامش التقدير التشريعي إلى إضعاف الضمانات العملية للاستقلال والديمقراطية المهنية إذا لم يقترن برقابة دستورية أكثر تشددا.
ختاما، خلص قرار المحكمة الدستورية رقم 261/26 إلى إعادة رسم معالم التنظيم الذاتي للصحافة بالمغرب، على أسس دستورية أكثر وضوحا، قوامها التوازن والتعددية والحياد. وهو بذلك لا يشكل مجرد رقابة على نص قانوني، بل يؤسس لإجتهاد دستوري يؤطر مستقبل العلاقة بين الدولة والمشرع والهيئات المهنية في قطاع الإعلام.
غير أن فعالية هذا الاجتهاد تظل رهينة بمدى تجاوب المشرع مع منطق القرار وروحه، لا الإكتفاء فقط بتصحيح شكلي للمقتضيات غير الدستورية،و بما يضمن قيام مجلس وطني للصحافة يجسد فعلا فلسفة التنظيم الذاتي الديمقراطي، كأحد أعمدة دولة الحق والقانون.
د/ الحسين بكار السباعي
محام بهيئة أكادير والعيون مقبول لدى محكمة النقض.


التعاليق (0)