قرأتُ بالصدفة ما كتبه أحدهم في صحيفة جزائرية متخفياً وراء اسم مستعار يصرخ بغضب تحت عنوان غريب:
( دبلوماسية الزفت…)
كان الرجل غاضباً لأن بلدنا أطلقت اسم رئيس دولة حليفة على الطريقع السريع بين “تيزنيت” و”الداخلة”. وكأن الإسفلت في نظره مجرد قير أسود لا يحق له أن يحمل رسالة وفاء أو ينطق بقرار سيادي لدولة تعرف تماماً ماذا تفعل.
لم أضحك من العنوان بل ابتسمتُ للمفارقة..
كيف يمكن لطريق من الإسفلت أن يثير كل هذا السعار لولا أنه تجاوز رمزيته المادية ليصبح عنواناً لسيادة تُمارس على الأرض وتنمية تُبنى بالأرقام ورسالة سياسية تُقرأ بالجغرافيا قبل أن تُكتب في الصحف؟!
المثير للدهشة أن صاحبنا – -صوت العسكر هناك – لم يناقش الطريق كمشروع اقتصادي أو استراتيجي.
ولم يتوقف عند أثره في ربط الصحراء المغربية بعمقها الإفريقي لان ذلك ما اصابهم بالسكتة الدماغية
و انشغل بالاسم واقفا يصرخ بوجه اللوحة وكأن المشكلة ليست في الإنجاز المذهل بل في أنه يُثبت حقيقة يهربون منها.
والأسوأ أنه يخوض معركة لا تخصه ويتدخل في قرار سيادي لا يملك فيه هو ونظامه العسكري حتى حق إبداء الرأي
ولذلك سنعيد تكرار هذه الأرقام من باب الإعتزاز الوطني بهذا المنجز الطرقي الإستثنائي
فنحن أمام
أكثر من 1055 كيلومتراً واستثمارات تجاوزت تسعة مليارات درهم..
ليس من أجل شوارع للنقل بل شريان استراتيجي يعيد رسم خريطة التجارة على الواجهة الأطلسية.. يختصر الزمان.. ويخفض التكلفة وينقل الأقاليم الجنوبية إلى قلب الدينامية الوطنية والقارية.
وانظروا إلى جسر “وادي الساقية الحمراء” الشامخ لتفهموا كيف تحول الفكر المغربي والهندسة المغربية إلى واقع يفرض نفسه فوق التضاريس
والأهم من هذا كله:
هذا الطريق لم يُبنَ في فراغ..
بينما كان المهندس المغربي يمهد الأرض ويشيد الجسور كان المهندس الدبلوماسي المغربي يقتطع الانتصارات في الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والعواصم الكبرى. إنها المعادلة التي نادراً ما تتكرر:
عقلٌ يعمر الأرض وعقلٌ يحصن الموقف..
لتلتقي هندسة التراب بهندسة السيادة في جسد واحد.
أما القول بأن إطلاق اسم رئيس حليف على هذا الطريق هو “تزلف”.. فهو كلام لا يصمد أمام أول صفحة في كتاب التاريخ!
فالدول الواثقة من نفسها لا تخشى تكريم أصدقائها كفعل سياديّ يمارسه القوي لأنه يملك حرية الاختيار:
اذهبوا إلى باريس.. ستجدون شارع “روزفلت” وشارع “جون كينيدي” في قلب العاصمة الفرنسية.
واذهبوا إلى نيودلهي.. ستجدون أسماء جمال عبد الناصر، وتيتو، وأتاتورك تزين أكبر شوارعها.
وفي إسطنبول يمتد شارع “كينيدي”، وفي براغ يتصدر اسم “وودرو ويلسون” أعرق ميادينها!
هل فقدت فرنسا سيادتها لأنها كرمت روزفلت؟ هل نقصت كرامة الهند لأنها خلدت عبد الناصر؟ أم أنها كانت تمارس حقها الطبيعي في كتابة ذاكرتها الدبلوماسية؟
إن الدولة التي تختار أسماء معالمها لا تستأذن أحداً ولا تنتظر شهادة حسن سير وسلوك من أعدائها.
التسمية كالبناء.. فعل سيادة لا يُقاس برضا الآخرين بل بحرية القرار.
سيظل هذا الطريق ممدوداً كالسيف في وجه الصحراء تعبره آلاف الشاحنات والسيارات كل صباح حاملةً معها قطرات العرق وأحلام التجار وخبز العائلات ووعود التنمية نحو عمقنا الإفريقي.
أما الذين اعتادوا الوقوف خلف الكثبان الرملية فلا عجب أن يزعجهم شريان يتدفق بالحياة فقد كانت مأساة “قطاع الطرق” عبر التاريخ واحدة:
أنهم لا يعرفون كيف يبنون طريقاً بل يقتصر عيشهم على محاولة تعطيل طريق العابرين
لذلك سنترك لقطاع الطرق حشرجة الصوت وغبار الهامش وحسرة البقاء في مكانهم..
بينما يواصل المغرب مسيرته في صناعة خرسانة السيادة كيومتراً بعد كيلومتر ليشبك الوطن بأقاليمه ويفتح صدره للأطلسي ونحو عمق إفريقيا.
يوسف غريب كاتب صحفي



