الوفاء في السياسية لا يقاس دائماً بالكلمات والوعود الرنانة بل بالمعاني واللفتات والرموز التي تُبنى لتبقى وتُحفر على الأرض قبل أن تُكتب في كتب التاريخ..
وهذا بالضبط ما حدث عندما التقت الجغرافيا بالسياسة في الصحراء المغربية
فالتدوينة التي كتبها دونالد ترامب على منصته وهو يشكر جلالة الملك محمد السادس على إطلاق اسمه على الطريق السريع “تيزنيت–الداخلة” مجرد برقية شكر بروتوكولية ولا مجاملة دبلوماسية بين رئيس عاد إلى الأضواء وملك قياديً واثق الخطوة بميزان الذهب بل كانت في جوهرها لفتة استراتيجية ذكية جداً من طراز السهل الممتنع.
يقف المرء أمام هذا الشريان الإسفلتي الممتد في قلب الصحراء فلا يرى مجرد أسفلت وسيارات مسرعة بل يرى قصة وطن يعرف كيف يُخلّد حلفاءه.
فالمغاربة الذين شقوا بأيديهم طريق الوحدةالأول بعد الاستقلال للربط بين شمال البلاد وجنوبها أحفادهم اليوم يكتبون اليوم فصلاً جديداً من الملحمة نفسها يمدون شرياناً تنموياً نحو أقصى الجنوب ليكون جسراً يربط ذاكرة التحرير بملحمة التنمية والاعتراف الدولي.
لقد كان قرار ترامب في ديسمبر 2020 بالاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه بمثابة زلزال سياسي بكل المقاييس وتحول استراتيجي فارق زحزح أحجار الشطرنج الدولية في قضية المغاربة الأولى.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك الإعلان التاريخي بل امتد تأثير القيادة الأمريكية إلى صياغة القرار الأممي الصادر في 31 أكتوب، والذي نقل الملف رسمياً من خانة “إدارة النزاع” إلى حسم “شرعية مبادرة الحكم الذاتي” كإطار حصري ونهائي للحل ليُكرّس تحولاً دولياً تقوده واشنطن ويُهيئ الأجواء لتخليد هذا اليوم التاريخي كأول عيد وطني للوحدة بعد شهرين من الآن
والمغرب بذكاء وفاء نادر في عالم السياسة المليء بالتقلبات لم ينسَ هذا الموقف.
فأخذ الاعتراف السياسي والقرارات الأممية من أروقة نيويورك والمكاتب المكيفة وزرعها في أرض الواقع لتصبح اسماً لطريق استراتيجي يربط شمال المملكة بعمقها الإفريقي عبر الكركرات.
إن ترامب الرجل الذي يعشق الإنجازات الملموسة والمشاريع العظيمة التي تحمل اسمه وتخاطب كبرياءه الشخصي لم يستطع إلا أن ينبهر بهذه اللفتة واعتبرها شرفاً عظيما بل يتطلع إلى أن يسافر يوماً ما عبر هذا الطريق العظيم.
وهنا يكمن السحر الدبلوماسي:
أن تجعل سياسياً بحجم ترامب يحلم بزيارة طريق في الصحراء المغربية ليتحول هذا المشروع من بنية تحتية مجردة إلى وثيقة سياسية دائمة محفورة على أرض الواقع.
في النهاية
تثبت الدبلوماسية المغربية مرة أخرى أنها لا تلعب بالكلمات بل تبني بالأسفلت والحجر والوفاء للشركاء.
إنه طريق لا يربط المدن بالمدن فحسب بل يربط التاريخ بالجغرافيا
ويُخلّد لحظة فارقة أعلنت للعالم أجمع أن وحدة الأوطان لا تتجزأ وأن أصدقاء الأمس هم دائماً شركاء الغد..
يوسف غريب كاتب صحفي



