يبدو أن السياسة في بلدنا بدأت تتكلم بلغة الملاعب لكنها للأسف أخذت من الرياضة أرقام القمصان والصفقات ونكثت بالروح الرياضية…!
فلم يكن غريباً أن يخرج علينا الرئيس السابق لحزب الحمامة السيد عزيز أخنوش والقيادي محمد أوجار في نفس اليوم ليعلنا في دهشة أخلاقية مفاجئة أن ( الانتخابات ليست ميركاتو) وأن السياسة ليست ملعباً لكرة القدم.
والمدهش هنا ليس النهي عن هذه الفاحشة السياسية كما صوّروها لنا بل توقيتها وسياقاتها العامة فالتصريحات الغاضبة انطلقت كالصفارة تماماً في نفس الصباح الذي أعلن فيه السيد فوزي لقجع رجل الكرة والمال والأرقام انضمامه رسمياً لحزب الأصالة والمعاصر.
وهنا فقط دون غيره يكمن السّر
فالغضب لا يكون دائماً بسبب الحرص على المبادئ بل أحياناً بسبب الخوف من حدّة وقوة هذا الإستقطاب
لقد استشاط الحزب الحاكم غضباً لأن منافسه الكروي والسياسي خطف منه نجماً يجمع بين نجاح التدبير الرياضي وهيبة التكنوقراطية وهزّ به عرش الكفاءة التي طالما احتكرها. والمضحك في هذه الدراما الساخرة هو تلك الذاكرة الانتخابية القصيرة جداً فالحزب الذي يرفع اليوم راية الأخلاق ويحرّم الميركاتو هو نفسه الذي عبر إلى السلطة بالأمس على أكتاف ميركاتو أسطوري جمع فيه الأعيان والوجوه الجاهزة من كل فج عميق
فالاستقطاب حين يوصلك إلى الكرسي يكون حلالاً زلالاً وديمقراطية مباركة
أما إذا استخدمه منافسك ليجلس في مكانك فإنه يصبح حراماً محرّما وإفساداً للعملية السياسية.
إنه الرهاب الإنساني حين يخاف من فقدان السلطة يلبس ثوب العتاب الأخلاقي ويصرخ دفاعاً عن المبادئ ولكن المصيبة الأكبر التي تجعل المرء يبتسم بأسى هي أن الديمقراطية لدينا ومن حيث لا ندري لم تعد تقاس بالبرامج ولا بالمبادئ ولا بالأحزاب الكبرى التي تحولت إلى خيام سيرك كبيرة بل أصبحت تُدار بعقلية
( الفرد الخارق )
فلم نعد ننتخب أفكاراً بل نشتري أسماء ونطارد نجومية الأشخاص لتصبح الأحزاب مجرد واجهات مجانية ترتفع وتسقط بأسماء أصحابها وسنكتشف في النهاية أننا لم نبنِ مؤسسات سياسية بل فتحنا متجراً كبيراً ( لبيع وشراء) النجوم والمواهب
وبتعبير الميركاتو الانتخابي فنحن أمام أندية حزبية تبحث عن الانتصار بأقدام مستعارة لنكتشف في نهاية المباراة أن السياسة فقدت نبلها وأن الديمقراطية المسكينة أصبحت مجرد مزاد علني لأستقطاب الأسماء وتقليب الصفحات والتصفيق لمن يدفع أكثر
يوسف غريب كاتب صحفي



