رئيس وزراء إسبانيا يزور الجزائر، في خضم أزمة ديبلوماسية لم تشهدها من قبل علاقات البلدين. فبعد اعتراف دولة إسبانيا رسميا بمغربية الصحراء، ورغم أنه قرار سيادي لدولة متقدمة تنتمي للاتحاد الأوروبي، قامت الجزائر باستدعاء سفيرها وتعليق اتفاقية التعاون التي تجمع البلدين. يحدث هذا والجزائر تظل متمسكة بخطاب ابتعادها عن صراع الصحراء وأنها فقط تدعم حق الشعوب في تقرير المصير.
فهل تخلت إسبانيا عن موقفها من الصحراء المغربية الذي أعلنته في ربيع 2022، أم أن الجزائر رضخت لتفوق الديبلوماسية المغربية في المنتظم الدولي، وانحت اتجاه الزخم الدولي الذي يسير في اتجاه الاقتراح المغربي القاضي بالحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية؟
الندوة الصحفية التي اختتمت بها الزيارة، والتي جمعت الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ورئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز، وكذلك تعليقات الصحف الاسبانية على الزيارة، كلها تفيد أن زيارة سانشيز للجزائر تطرقت للعلاقات الثنائية التي تجمع بين البلدين في مجال الاقتصاد والأمن والهجرة السرية، واتفق البلدان على اجتماع اللجنة العليا في أكتوبر القادم بعد ثماني سنوات من التوقف.
اجتماع رئيسي البلدين لم يتطرق لموضوع الصحراء ولا لقرار إسبانيا باعترافها بسيادة المملكة المغربية على صحرائها، لأن الأمر يتعلق بقرار سيادي لدولة كبرى. فكيف استقبلت الجزائر رئيس وزراء إسبانيا دون مراجعة موقفه من مغربية الصحراء، وهي التي بادرت إلى خلق أزمة ديبلوماسية مع بلاده بعد اعتراف سانشيز بسيادة المملكة المغربية على الصحراء؟
الجواب عن هذا السؤال لا يتطلب الكثير من التفكير، ولا مراجعة خبراء العلوم السياسية. لقد كان واضحا أن الجزائر، تتخذ مواقفها لوحدها دون سند من جيرانها ولا محيطها الإقليمي. وفي المقابل، نجد دولا تريد الجزائر أن تتحداها وهي دول كبرى تنتمي للاتحاد الأوروبي وعضو في حلف الناتو. فكيف لدولة وحيدة ومعزولة كالجزائر أن تتحدى دولا تنتمي لتكتلات قوية وكبرى؟
الأكيد أن الديبلوماسية الجزائرية ارتطمت بالحائط، وأصبحت تعاني من ضعف جعلها تستقبل رئيس وزراء إسبانيا دون أن تكون قادرة على مطالبته بمراجعة موقف بلاده من الصحراء المغربية. بل أكثر من هذا، إذا كانت إسبانيا بمعية فرنسا وراء إعلان الاتحاد الأوروبي مساندته للقرار الأممي 2797 القاضي بحل النزاع في إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، فإن الجزائر في المقابل، تخشى من إسبانيا أن تحرك البرلمان الأوروبي ضد الجزائر بخصوص الهجرة السرية. أنداك لن ينفع الجزائر لا البترول ولا الغاز الذي لن تجد من يشتريه منها سوى الاتحاد الأوروبي. وبذلك يتحول الغاز إلى سكين في رقبة الدولة الجزائرية. فهي مضطرة لبيعه لأنه يشكل أكثر من 90 من ميزانيتها، وهي مضطرة لبيعه ولو تطلب الأمر التراجع عن مواقفها السابقة.
استقبال عبد المجيد تبون لرئيس وزراء إسبانيا، هو رضوخ للنظام الجزائري أمام الوضع الجديد الذي خلقته الديبلوماسية المغربية، وانحناء لواقع المنتظم الدولي الذي يسير في مسار المقترح المغربي.
يبدو أن النظام الجزائري استوعب الدرس، وأدرك أن مواقفه ارتطمت بالحائط. كما يبدو أن لعبته بالنأي عن نفسه ظاهريا اتجاه صراع الصحراء، محاولا خداع المنتظم الدولي بأنه فقط يدافع عن حرية تقرير المصير، هي لعبة قد انكشفت وانكشف معها حقيقة ألاعيب نظام يرفع شعارات ويماس نقيضها في الواقع.
بعد أن استوعبت الديبلوماسية الجزائرية الدرس المغربي، بقي على النظام الجزائري أن يعرف بأن مصلحة الشعبين الجزائري والمغربي تكمن في التعاون المشترك، واحترام الوحدة الترابية، والعمل في إطار المغرب العربي، لمواجهة دول كبرى ومتكتلة في اتحادات قوية.
فهل يعي قصر المرادية هذه الحقائق، أم أنه سيظل يبحث عن شرعية داخلية أمام الشعب الجزائري، بافتعال صراعات وهمية مع جيرانه؟
كل المؤشرات توحي بأن الخناق اشتد حول النظام الجزائري، وأن الخيارات أمامه تقلصت بشكل كبير. وما استقبال رئيس وزراء اسبانيا وهو من كان وراء الاعتراف بالصحراء المغربية، سوى تعبير عن عجز واضح أمام دولة كبرى. كما أنه مؤشر عن بداية انهيار الديبلوماسية الجزائرية، إن لم يتدارك النظام الجزائري الأمر ويعود لجيرانه ومحيطه الإقليمي.
سعيد الغماز-كاتب وباحث




