بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
لم يعد الصراع في القرن الحادي والعشرين يُدار بالدبابات والطائرات وحدها، بل أصبح يُدار أيضًا عبر الشاشات والمنصات الرقمية. فالكلمة باتت سلاحًا، والصورة أصبحت رسالة، والخبر المضلل قد يحقق من التأثير ما لا تحققه المدافع في ساحات القتال.
وإذا كانت الجغرافيا و الإيديولوجية قد فرضت على المغرب والجزائر خلافًا سياسيًا ودبلوماسيًا مستمرًا، فإن هذا الخلاف انتقل في السنوات الأخيرة إلى الفضاء الإعلامي والرقمي، حيث يقود النظام العسكري الجزائري، عبر إعلامه الرسمي وشبه الرسمي، وبالاستناد إلى المنابر الموالية لجبهة البوليساريو وشبكات واسعة من الحسابات الرقمية، حملة متواصلة تستهدف صورة المغرب ومؤسساته ومواقفه الإقليمية والدولية.
ولم تعد هذه الحملة تقتصر على افتتاحيات الصحف أو نشرات الأخبار، بل امتدت إلى تصريحات مسؤولين جزائريين، وإلى محتوى رقمي يتكرر بوتيرة عالية، يقوم على الاجتزاء، وإعادة تدوير الادعاءات، وتضخيم الأحداث، في محاولة لصناعة انطباع سلبي دائم عن المغرب، والتشويش على نجاحاته الدبلوماسية والاقتصادية والتنموية.
إن ما يجري ليس مجرد تنافس إعلامي عابر، بل هو حرب سرديات بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فالمعركة لم تعد تستهدف الأرض، وإنما تستهدف الوعي. والغاية لم تعد إقناع الخصم، بل التشويش على الرأي العام، وإغراق الفضاء الرقمي بالمعلومات المتناقضة، وإضعاف الثقة في المؤسسات الوطنية.
وفي هذا النوع من الحروب، تصبح الخوارزميات شريكًا غير مباشر في تضخيم المحتوى المثير، بينما يجد المواطن نفسه أمام سيل من الأخبار والإشاعات يصعب التمييز فيه بين الحقيقة والدعاية. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يقع هو أن يتحول المواطن، دون أن يشعر، إلى ناقل مجاني لمحتوى صُمم أصلًا لخدمة أهداف سياسية.
غير أن مواجهة هذه الحملات لا تكون بالصراخ ولا بالانفعال، وإنما بالوعي، والإعلام المهني، والسرعة في تقديم المعلومة الدقيقة، وبناء جبهة داخلية متماسكة تدرك أن الدفاع عن الوطن لم يعد يقتصر على حماية حدوده، بل يشمل أيضًا حماية صورته وروايته في العالم الرقمي.
ولا يعني ذلك مصادرة النقد أو إسكات الأصوات المختلفة، فالنقد المسؤول يبقى ضرورة لأي مجتمع يسعى إلى الإصلاح. لكن هناك فرقًا واضحًا بين النقد الوطني الذي يهدف إلى التقويم، وبين الحملات المنظمة التي تقوم على التشويه والتضليل وصناعة الانطباعات السلبية خدمةً لأجندات سياسية.
لقد دخل العالم عصر حروب المعلومات، والمغرب ليس استثناءً من هذه القاعدة. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي ليس فقط على قوة الدولة، بل على وعي المجتمع، وعلى إعلام قادر على تفكيك التضليل، وعلى مواطن يدرك أن كل مشاركة أو إعادة نشر قد تكون إسهامًا في معركة لا يرى كل خيوطها.
إن الأوطان لا تُستهدف بالسلاح وحده، بل تُستهدف أيضًا بالروايات الزائفة، وبالحملات الإعلامية المنظمة، وبمحاولات التأثير في وعي الشعوب. وفي زمن أصبحت فيه الشاشات جبهات مفتوحة، يبقى الوعي الوطني، والإعلام المسؤول، والالتفاف حول المصالح العليا للوطن، خط الدفاع الأول في مواجهة كل محاولات التشويه والاستهداف.

