في زمن أصبحت فيه الرواية التاريخية سلاحًا سياسيًا، يصر النظام الجزائري على تقديم تاريخ المنطقة بمنظور انتقائي، يحذف منه كل ما لا يخدم خطابه الرسمي. ومن بين أكثر الصفحات التي يتجنب الخوض فيها، أو يعمد إلى تهميشها، صفحة بيعة الأمير عبد القادر الجزائري للسلطان المغربي مولاي عبد الرحمن بن هشام، وهي واقعة تاريخية تعكس حقيقة العلاقات التي كانت تجمع المغرب والجزائر قبل أن تعيد فرنسا رسم الحدود والجغرافيا والذاكرة.
حين نزلت القوات الفرنسية على شواطئ الجزائر سنة 1830، لم تكن الجزائر دولة قومية بالمعنى الحديث، كما لم يكن المغرب ينظر إلى ما يحدث شرق حدوده باعتباره شأنًا أجنبيًا. فقد كان البلدان يشكلان امتدادًا حضاريًا واحدًا، تربط بينهما روابط العقيدة واللغة والمصاهرة والتجارة والزوايا العلمية، وكانت فكرة وحدة الأمة الإسلامية أقوى من الحدود التي ستفرضها القوى الاستعمارية فيما بعد.
وفي خضم تلك الظروف العصيبة، برز الأمير عبد القادر قائدًا للمقاومة الجزائرية، لكنه لم يقدم نفسه سلطانًا للمسلمين، بل أعلن بيعته وولاءه للسلطان المغربي مولاي عبد الرحمن بن هشام، باعتباره أمير المؤمنين وصاحب الشرعية الدينية في المنطقة الغربية من العالم الإسلامي آنذاك. ولم تكن تلك البيعة مجرد إجراء شكلي، بل كانت رسالة سياسية تؤكد أن مواجهة الاحتلال الفرنسي تقتضي وحدة الصف الإسلامي والمغاربي، لا الانقسام والتنافس.
وقد تجاوب السلطان المغربي مع هذا النداء، ففتح الحدود أمام المجاهدين، وقدم الدعم السياسي والعسكري واللوجستي للمقاومة الجزائرية، حتى أصبحت فرنسا تعتبر المغرب شريكًا مباشرًا في الحرب. ولم يكن مستغربًا أن تتحول تلك المساندة إلى مواجهة عسكرية انتهت بمعركة إيسلي سنة 1844، حيث دفع المغرب ثمن موقفه الداعم للجزائر أمام التفوق العسكري الفرنسي.
هذه الحقائق ليست رواية عاطفية، بل صفحات موثقة من التاريخ، تؤكد أن المغرب لم يكن يومًا متفرجًا على مأساة الجزائر، بل كان سندًا لها، سياسيًا وعسكريًا ودينيًا، في أصعب مراحل الاحتلال الفرنسي.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: لماذا يغيب هذا التاريخ عن الخطاب الرسمي الجزائري؟
الجواب، في نظر كثير من الباحثين، يكمن في أن الاعتراف بهذه الوقائع يهدم جزءًا من السردية التي يسعى النظام الجزائري إلى ترسيخها، وهي سردية تقوم على تصوير العلاقات المغربية الجزائرية وكأنها كانت دائمًا علاقات صراع وتنافس، بينما تثبت الوثائق التاريخية أن التعاون والتكامل كانا الأصل، وأن الخلافات الراهنة هي نتاج ظروف سياسية حديثة أكثر منها امتدادًا للماضي.
لقد كان الاستعمار الفرنسي أكثر من احتلال عسكري؛ فقد كان مشروعًا لإعادة تشكيل الوعي، وإعادة رسم الخرائط، وصناعة حدود نفسية بين شعوب كانت تتقاسم تاريخًا ومصيرًا واحدًا. وبعد أكثر من قرن من الاحتلال، بقيت بعض آثار تلك السياسة حاضرة في الخطابات الرسمية، وفي طريقة قراءة التاريخ، وفي تحويل الذاكرة إلى أداة للصراع بدل أن تكون وسيلة للمصالحة.
غير أن هذا لا يعني اختزال الشعب الجزائري في مواقف السلطة. فالجزائريون، شأنهم شأن المغاربة، تجمعهم روابط عميقة تمتد عبر قرون من التعايش والمصاهرة والعلم والجهاد المشترك. ولم يكن الأمير عبد القادر يقاتل من أجل صناعة عداوة مع المغرب، بل كان يرى فيه عمقًا استراتيجيًا وحليفًا طبيعيًا في مواجهة الاستعمار.
إن من يقرأ رسائل الأمير عبد القادر، ويتتبع مواقفه السياسية، يدرك أنه كان يؤمن بوحدة المصير المغاربي، وأن البيعة التي قدمها للسلطان المغربي لم تكن تعبيرًا عن ضعف، بل عن فهم عميق لمعنى الشرعية ووحدة الصف في زمن الأخطار الكبرى.
واليوم، وبعد مرور ما يقرب من قرنين على تلك الأحداث، يظل السؤال قائمًا: لماذا يخشى النظام الجزائري فتح هذا الملف أمام شعبه؟ ولماذا لا تُدرّس هذه الصفحة من التاريخ بنفس الزخم الذي تُقدَّم به روايات أخرى؟
إن التاريخ لا يخشى البحث، ولا يخاف الوثائق، ولا يحتاج إلى رقابة سياسية. والتاريخ الحقيقي لا يُكتب بما يخدم الأنظمة، وإنما بما تثبته المصادر.
ولعل أعظم درس تقدمه بيعة الأمير عبد القادر للسلطان المغربي هو أن الشعوب قد يجمعها التاريخ مهما حاولت السياسة أن تفرقها، وأن الحقيقة، مهما طال حجبها، تظل قادرة على الظهور عندما تُقرأ الوثائق بعين الباحث لا بعين السياسي.
بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

