بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
في كل عام، ومع اقتراب موعد الإفطار، تتجه الأنظار إلى المائدة: أطباق متراصة، روائح مألوفة، وأجواء تبدو وكأنها تتكرر تلقائيًا. لكن خلف هذا المشهد الذي يبدو عاديًا، توجد حكاية يومية لا تُروى كثيرًا؛ حكاية امرأة تدير رمضان من خلف الستار.
ليس المقصود هنا اختزال دور المرأة في الطهي أو ترتيب الأطباق، فهذه صورة قديمة لم تعد تفسر ما يحدث داخل البيوت اليوم. ما تقوم به المرأة خلال هذا الشهر أقرب إلى إدارة منظومة كاملة: تنظيم الوقت، تهدئة الإيقاع الأسري، الموازنة بين التعب والروحانية، وصناعة مساحة يشعر فيها الجميع بأن رمضان مختلف فعلًا.
رمضان يغيّر قوانين الحياة اليومية. تتبدل ساعات النوم، تتداخل الالتزامات المهنية مع متطلبات الصيام، ويصبح التوتر حاضرًا أكثر مما نعترف به. في هذه الفوضى المنظمة، تظهر المرأة كمنسقة غير معلنة للإيقاع الأسري؛ تعرف متى تُخفف الضغط، ومتى تجمع العائلة، ومتى تمنح اللحظة طابعها الروحي. عملٌ لا يُكتب في قوائم المهام، لكنه أساس استقرار البيت.
واللافت أن الدفء الرمضاني لا تصنعه الأطباق بقدر ما تصنعه العلاقات. فالمرأة غالبًا هي من تعيد وصل ما انقطع خلال العام: دعوة عائلية هنا، زيارة مؤجلة هناك، أو مكالمة تعيد معنى صلة الرحم. إنها تحافظ على ذاكرة الشهر، لا بوصفها حارسة للتقاليد فقط، بل كصانعة لمعنى الانتماء.
غير أن الصورة تغيرت كثيرًا. فنساء اليوم لا يعشن رمضان داخل المنزل فقط؛ كثيرات يخرجن إلى أعمالهن صباحًا، ثم يعدن ليبدأن «الوردية الثانية» داخل البيت. هذا الواقع فرض تحولًا هادئًا لكنه عميق: رمضان لم يعد قائمًا على جهد فردي، بل على تقاسم الأدوار. ومع ذلك، تبقى المرأة غالبًا محور التنسيق الذي يمنع التفاصيل من الانهيار.
حتى الفضاء الرقمي أصبح امتدادًا لهذا الدور. فمحتوى رمضان الذي يملأ الشاشات من وصفات سريعة إلى مبادرات تضامنية تصنعه في جزء كبير منه نساء يحولن خبراتهن اليومية إلى طاقة جماعية تُخفف عن الآخرين عبء الشهر.
ربما لا يُقال هذا كثيرًا، لكن الحقيقة البسيطة هي أن رمضان، كما نعرفه، لا يتشكل صدفة. هناك من يعيد ترتيب يومه كله كي يشعر الآخرون بالطمأنينة. هناك من يصنع المزاج قبل أن يصنع الطعام.
وعندما ينتهي الشهر، نتذكر الأجواء أكثر مما نتذكر التفاصيل. نتذكر الدفء، والسكينة، والإحساس بأن البيت كان أكثر حياة. عندها فقط ندرك أن رمضان لم يكن مجرد أيام صيام… بل قصة كُتبت يوميًا، وغالبًا بقلم امرأة تعمل بصمت.
