دولة المراسيم أم واجهة القرار؟ قراءة في كواليس التعيينات

أخبار وطنية

بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

في خضم التطورات التي يشهدها ملف الصحراء، تعود إلى الواجهة مراسيم “رئاسية” صادرة عن قيادة جبهة البوليساريو، تعلن عن تعيينات وهيكلة مؤسساتية جديدة. غير أن القراءة المتأنية لهذه الخطوات تكشف أن الأمر يتجاوز مجرد قرارات داخلية لكيان يسعى لإظهار نفسه كـ“دولة”، ليطرح سؤالًا أكثر عمقًا: من يصنع القرار الحقيقي، ومن يكتفي بتسويقه؟

تبدو هذه التعيينات، في ظاهرها، محاولة لإعادة ترتيب “المشهد المؤسساتي”، لكنها في جوهرها تعكس استمرار نمط من صناعة القرار المرتبط بشكل وثيق بالنظام العسكري الجزائري، الذي يُنظر إليه من قبل العديد من المحللين باعتباره الفاعل الأساسي في توجيه هذا الملف. فالجبهة، وفق هذا التصور، لا تتجاوز دور الواجهة السياسية التي تتولى الإعلان والتنفيذ، بينما تُصاغ التوجهات الكبرى خارجها.

هذا الطرح يجد ما يدعمه في طبيعة التحركات السياسية والعسكرية واللوجستية المرتبطة بالملف، حيث يصعب فصل قرارات الجبهة عن السياق الإقليمي الذي تتحرك فيه، خاصة في ظل احتضانها داخل الأراضي الجزائرية واعتمادها الكبير على الدعم الخارجي. ومن هنا، تبدو التعيينات الأخيرة أقرب إلى انعكاس لخيارات استراتيجية أوسع، لا تُصنع داخل مؤسسات الجبهة بقدر ما تُملَى عليها.

إن توصيف الجبهة كـ“واجهة” أو “أداة تنفيذ” لا يعني إلغاء وجودها، بل يضعها في إطار وظيفي محدد، حيث تتحول إلى قناة لترويج خطاب سياسي معين، وتدبير تفاصيل يومية تخدم توجهًا أكبر. وفي هذا السياق، يمكن فهم كثافة “المناصب” و”الهياكل” المعلنة كجزء من عملية صناعة صورة مؤسساتية، هدفها إضفاء نوع من الشرعية الشكلية على مشروع يفتقر إلى مقومات الدولة الفعلية.

غير أن الإشكال لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى التأثير المباشر لهذه السياسات على الواقع الإنساني في المخيمات، حيث يعيش آلاف الأشخاص في ظروف صعبة، بعيدًا عن أي أفق واضح للحل. وهنا يبرز التناقض بين خطاب “بناء المؤسسات” وواقع الانتظار الطويل، ما يعزز الانطباع بأن الأولويات لا تُحدد دائمًا بناءً على حاجيات السكان، بل وفق اعتبارات سياسية أوسع.

إن تحميل المسؤولية في هذا السياق لا يهدف إلى تبسيط المشهد، بل إلى توضيح تداخل الأدوار بين الفاعلين. فحين تكون جهة ما هي صاحبة القرار الفعلي، وأخرى تتولى التنفيذ والترويج، يصبح من الضروري التمييز بين من يرسم الاستراتيجيات ومن يُستخدم كواجهة لها. وهذا التمييز يساعد القارئ على فهم أعمق لما يجري، بعيدًا عن القراءة السطحية للأحداث.

في النهاية، تظل هذه التعيينات مثالًا على فجوة قائمة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، وبين من يصنع القرار ومن يعلنه. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق البحث الجدي عن حل يضع الإنسان في قلب المعادلة، بدل الاستمرار في إعادة إنتاج نفس الأدوات بنفس النتائج.