بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
في زمن تتسارع فيه الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد الصورة مجرد توثيق لحدث، بل تحوّلت إلى أداة خطابية تُستعمل للتأثير والتجييش وبناء سرديات سياسية وأخلاقية. ومن بين الأمثلة الصارخة على ذلك، الصورة المتداولة مؤخرًا التي يُدّعى أنها تُظهر “جزائريًا” يقدّم مساعدات غذائية لأسرة مغربية في زقاق شعبي، في مشهد يُراد له أن يبدو إنسانيًا، بينما هو في جوهره بناء بصري دعائي يفتقر إلى الحد الأدنى من المصداقية التقنية والمنطقية.
- أولًا: التفكيك البصري للصورة
بمجرد إخضاع الصورة لنظرة تحليلية بسيطة، تتكشف اختلالات واضحة في النِّسَب الهندسية والمنظور البصري. فحجم الشخص الذي قُدّم على أنه “جزائري” يبدو غير متناسق مع بقية عناصر المشهد، إذ يظهر أكبر من السياق المكاني الذي يقف فيه، وكأنه أُقحم إقحامًا على خلفية لا تنتمي إليه.
أما كيس المواد الغذائية، فيبدو هو الآخر مبالغًا في حجمه، إلى درجة تثير السخرية: قارورة زيت يتجاوز طولها نصف طول الطفلة الواقفة بجانبها، وهو ما يناقض أبسط قواعد الواقع الفيزيائي قبل قواعد التصوير.
- ثانيًا: الخلفية المعمارية كدليل فبركة
تجمع الخلفية بين عناصر معمارية لا تجتمع طبيعيًا في فضاء واحد: زقاق شعبي ضيق، إلى جانب حائط مكسو بالجبص والزليج المأخوذ — بوضوح — من داخل رياض مغربي تقليدي. هذا التنافر المكاني ليس تفصيلًا ثانويًا، بل مؤشر قوي على تركيب الصورة من مصادر مختلفة دون احترام وحدة المكان أو السياق العمراني.
- ثالثًا: توظيف الرمزية السياسية
إقحام صورة رسمية كبيرة لملك المغرب على حائط في زقاق شعبي، وبحجم غير مألوف، يخرج عن السياق الواقعي المعروف في الفضاءات الحضرية المغربية. هنا تنتقل الصورة من ادعاء “العمل الإنساني” إلى مستوى آخر من الرسائل الرمزية، حيث يُراد للمشهد أن يكون مسرحًا لإسقاط سياسي ونفسي، لا وثيقة واقعية.
- رابعًا: من “الإنساني” إلى الدعائي
اللافت أن الخطاب المرافق للصورة يحاول بناء تفوق أخلاقي، من خلال الإيحاء بأن طرفًا “يمنح” وطرفًا “يتلقى”، في تجاهل كامل لتعقيدات الواقع الاجتماعي والاقتصادي في البلدين، وفي قفز فجّ على تاريخ طويل من التداخل الإنساني بين الشعبين، بعيدًا عن هذا النوع من الاستعراض الرقمي.
- خامسًا: الصورة كمرآة لخطاب جزائري متكرر
لا يمكن عزل هذه الصورة المفبركة عن السياق الأوسع للخطاب الجزائري الرسمي وشبه الرسمي تجاه المغرب. فهي ليست حادثة معزولة ولا زلة تقنية عابرة، بل عيّنة نموذجية من كل الأخبار والصور والفيديوهات التي يتم إنتاجها وتدويرها باستمرار حول المغرب والمغاربة، بنفس الروح العدائية ونفس السطحية الفكرية.
إنها بلادة لا تعكس فقط ضعفًا في أدوات الفبركة، بل فقرًا في الخيال السياسي والإعلامي، حيث يُعاد إنتاج نفس السرديات المتجاوزة، ونفس محاولات التشويه، في كل مرة، وكأن المغرب حاضر في هذا الخطاب لا بوصفه جارًا، بل بوصفه هاجسًا دائمًا.
- سادسًا: سؤال الحقد والبغض والحسد
وهنا يطرح السؤال نفسه بحدّة: لماذا كل هذا الحقد، والبغض، والحسد تجاه المغرب؟
الجواب لا يكمن في صورة أو منشور، بل في أزمة أعمق. فحين تعجز منظومة ما عن تقديم نموذج تنموي مقنع لشعبها، وحين تفشل في بناء أفق اقتصادي واجتماعي واضح، يصبح اختلاق عدو خارجي ضرورة نفسية وسياسية. والمغرب، بما راكمه من استقرار مؤسساتي، وحضور دبلوماسي، ومشاريع تنموية، يتحول في هذا السياق إلى مرآة محرجة، لا تُواجَه بالمنافسة أو النقد العقلاني، بل بالتشويه والإنكار.
- سابعًا: من يحتاج فعلًا إلى المساعدة؟
المفارقة الصارخة أن الصورة تدّعي تقديم “مساعدات إنسانية” للمغاربة، في وقت يعرف فيه الجميع أن الشعب الذي يعاني فعليًا من الطوابير هو الشعب الجزائري نفسه.
طوابير الحليب، وطوابير السميد، وطوابير الزيت، بل وحتى طوابير قوارير الغاز، في بلد يُعدّ من كبار مصدّري الغاز في العالم. هذا التناقض الفج بين الثروة الطبيعية والواقع المعيشي لا يمكن تغطيته بكيس مواد غذائية مفبرك ولا بصورة دعائية رديئة الصنع.
إن الشعب الذي يحتاج إلى المساعدة الحقيقية، وإلى خطاب صادق وسياسات اجتماعية فعالة، هو الشعب الجزائري البسيط، لا ذاك الذي يُستعمل وقودًا في معركة دعائية ضد جار اختار مسارًا مختلفًا.
- خاتمة
إن خطورة هذه الصورة لا تكمن في رداءة الفوتوشوب وحدها، بل في الذهنية التي أنتجتها: ذهنية ترى في الكذب أداة، وفي التضليل سياسة، وفي الإساءة بديلاً عن الإصلاح.
وحين يصبح الإعلام وسيلة لتصدير الأزمات بدل معالجتها، فإن كل صورة مفبركة لا تُسيء للمغرب بقدر ما تفضح بؤس الخطاب الذي خرجت منه. فالحقيقة، مهما حوربت، تظل أكثر تماسكًا من أي دعاية، وأكثر صلابة من أي تركيب بصري متهافت.
“الله العن لي ما يحشم”
