بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
في زمن تتسابق فيه الأمم على الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، وجذب الاستثمارات، ما زال جزء من عالمنا يعتقد أن هيبة الدولة تُقاس بمدى قسوة العبارات التي يطلقها رئيسها أمام الكاميرات.
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون اختار أن يبعث برسالة إلى كل من يفكر في تهديد تونس، قائلاً باللهجة الجزائرية: “من يهدد تونس… نخلّولو خيمة والديه.” أي: نهدم بيت عائلته، ونتركه بلا مأوى.
قد تبدو العبارة قوية في مقهى شعبي، وقد تثير الحماس في قاعة مليئة بالمصفقين، لكنها عندما تصدر عن رئيس دولة، فإنها تثير سؤالاً أكبر: هل أصبحت لغة الرؤساء تُستعار من الشارع، أم أن السياسة نفسها أصبحت تبحث عن “الترند” بدل البحث عن الحلول؟
لا أحد يختلف على أهمية استقرار تونس ، ولا على أن أمن البلدان المغاربية مترابط بحكم الجغرافيا والتاريخ. لكن الدول لا تُدار بمنطق المبارزات اللفظية، ولا تُبنى العلاقات بين الشعوب على العبارات النارية، بل على المصالح المشتركة، والتعاون الاقتصادي، والدبلوماسية الهادئة.
الظاهر أن تونس أصبحت فجأة قضية شخصية للرئيس تبون. لكن السياسة لا تُقرأ بالعواطف، بل بالمصالح. ومن يراقب الخطاب الجزائري يدرك أن المسألة ليست عشقًا لتونس بقدر ما هي رغبة في ارتداء عباءة “شرطي المنطقة”. فالدول لا تتحرك بدافع الإحسان، بل بدافع الحسابات. وعندما يتحدث رئيس دولة أكثر عن هدم بيوت الأعداء مما يتحدث عن بناء جسور التعاون، فمن حقنا أن نتساءل: هل الهدف حماية تونس… أم صناعة بطولة إعلامية جديدة؟
إن السؤال الحقيقي ليس: من يهدد تونس؟ بل: ماذا قدمت الجزائر لتونس، غير التصريحات؟
هل عرضت خطة استثمار كبرى؟ هل فتحت مشاريع تنموية مشتركة بحجم التحديات؟ هل بادرت إلى رؤية اقتصادية تعيد الأمل إلى الشباب في البلدين؟ أم أن أسهل الاستثمارات هي الاستثمار في الكلمات، لأنها لا تكلف شيئًا؟
هنا يحضر المثل العربي الذي لا يشيخ: “فاقد الشيء لا يعطيه.”
وليس المقصود التقليل من شأن الجزائر أو شعبها، بل التذكير بأن من يقدم نفسه حاميًا للآخرين، عليه أولًا أن يقدم نموذجًا ناجحًا في الداخل. فالقوة الحقيقية لا تُقاس بعدد التهديدات، بل بمتانة الاقتصاد، وكفاءة المؤسسات، وقدرة الدولة على تحويل ثرواتها إلى تنمية مستدامة.
اللافت أن المنطقة المغاربية تعاني من تحديات متشابهة: بطالة، هجرة، تباطؤ اقتصادي، وتراجع في ثقة المواطن بالمؤسسات. ومع ذلك، لا يزال بعض الخطاب السياسي يصر على أن الحل يبدأ بجملة صاخبة، لا بإصلاحات هادئة.
والأغرب أن السياسيين عندنا يتعاملون مع الكاميرا كما يتعامل الممثل مع خشبة المسرح. المهم أن تخرج عبارة تعلق في الأذهان، وأن تتحول إلى وسم على مواقع التواصل، وأن يصفق الجمهور. أما ما بعد التصفيق، فذلك شأن آخر.
لو كانت الدول تُبنى بالبلاغة، لكانت منطقتنا أعظم قوة في العالم. ولو كانت الخطب تصنع التنمية، لما عرفنا البطالة ولا التضخم ولا هجرة الشباب.
لكن الواقع أكثر قسوة من كل الخطب.
تونس اليوم لا تحتاج إلى من يتوعد بهدم بيوت أعدائها، بل إلى من يشاركها بناء اقتصادها، ويعزز استثماراتها، ويفتح أمام شبابها أبواب العمل. فالبيت الذي يحتاج إلى البناء أولى من البيت الذي يُهدد بالهدم.
وفي السياسة، ليست المشكلة في أن يطلق رئيس عبارة شعبوية، بل في أن تتحول هذه العبارات إلى بديل عن الرؤية، وعن المشروع، وعن الإنجاز.
التاريخ لا يحفظ عدد المرات التي هدد فيها الزعماء خصومهم، بل يحفظ عدد المدارس التي بُنيت، والمصانع التي افتُتحت، والوظائف التي خُلقت، والاتفاقيات التي غيرت حياة الناس.
أما عبارة “نخلّولو خيمة والديه”، فقد تحقق ضجة إعلامية ليوم أو يومين، لكنها لن تخفض الأسعار، ولن تزيد الاستثمارات، ولن تجعل تونس أكثر أمنًا، ولن تجعل الجزائر أكثر نفوذًا.
لأن الدول، في نهاية المطاف، لا تُقاس بعلو الصوت، بل بعلو الإنجاز.
والأوطان لا تُحمى بالشعارات، بل تُحمى عندما يجد المواطن سببًا للبقاء فيها، لا سببًا للهرب منها. وعندها فقط، لن تكون هناك حاجة إلى الحديث عن هدم بيوت الآخرين، لأن كل دولة ستكون منشغلة ببناء بيتها أولًا.




