عاد التوتر بين واشنطن وطهران إلى واجهة المشهد الدولي، بعدما نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب رسالة ذات حمولة تصعيدية على منصته “تروث سوشال”، بالتزامن مع تقارير إعلامية تحدثت عن استعدادات أمريكية إسرائيلية مكثفة لاحتمال استئناف الهجمات على إيران خلال الأيام المقبلة.
ولا يتعلق الأمر، وفق المعطيات المتوفرة، بإعلان رسمي عن ضربة وشيكة أو قرار عسكري نهائي، بل بتراكم مؤشرات سياسية وعسكرية وإعلامية تعكس هشاشة وقف إطلاق النار، واتساع الفجوة بين واشنطن وطهران حول الملف النووي، ومضيق هرمز، وشروط إنهاء الحرب.
ونشرت وسائل إعلام إسرائيلية ودولية أن ترمب شارك صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تظهره في أجواء بحرية عاصفة، مرفقة بعبارة “كان ذلك هدوءا ما قبل العاصفة”، في وقت تتزايد فيه التوقعات بشأن احتمال عودة المواجهة مع إيران.
رسالة ترمب.. “هدوء ما قبل العاصفة”
أثارت العبارة التي نشرها ترمب اهتماما واسعا، لأنها جاءت في لحظة حساسة من مسار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران. فقد قرأت وسائل إعلام هذه الرسالة باعتبارها تلويحا بتصعيد محتمل، خاصة أنها تزامنت مع تقارير عن استعدادات عسكرية أمريكية إسرائيلية.
ومع ذلك، لا يمكن التعامل مع المنشور وحده كدليل على قرب ضربة عسكرية. فهو إشارة سياسية وإعلامية قوية، لكنها لا ترقى إلى مستوى إعلان رسمي عن عملية عسكرية. ولذلك تبقى الصياغة الأدق أن ترمب “يلوّح بالتصعيد”، وليس أنه أعلن استئناف الهجمات.
وتأتي الرسالة في سياق توتر متزايد بعد أن وصفت تقارير وقف إطلاق النار بأنه هش، وبعد تصريحات أمريكية حادة بشأن الرد الإيراني على مقترحات إنهاء الحرب. وتفيد مصادر إعلامية بأن ترمب اعتبر وقف إطلاق النار في وضع بالغ الحساسية، في ظل استمرار الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني وشروط التسوية.
تقارير عن استعدادات أمريكية إسرائيلية
في السياق نفسه، نقلت “جيروزاليم بوست” عن تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” أن الولايات المتحدة وإسرائيل تستعدان لاحتمال استئناف هجمات مشتركة على إيران، ربما في وقت قريب، استنادا إلى مسؤولين شرق أوسطيين لم تسمهم الصحيفة. وأورد التقرير أن هذه التحضيرات توصف بأنها الأوسع منذ وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة باكستانية في أبريل الماضي.
غير أن هذه المعطيات تحتاج إلى قراءة حذرة. فالتقارير تتحدث عن “استعدادات” و”احتمال” و”مصادر لم تسمَّ”، ولا تؤكد أن القرار النهائي بالهجوم قد اتخذ. لذلك، فالاستنتاج المهني هو أن واشنطن وتل أبيب تتأهبان لسيناريو العودة إلى الضربات، لكن لا يوجد إعلان رسمي مؤكد بأن الهجمات ستستأنف فعلا.
هذا الفرق مهم في التغطية الصحفية، لأن تحويل “الاستعداد لاحتمال الهجوم” إلى “قرار بالهجوم” قد يضلل القارئ، خصوصا في ملف عالي الحساسية مثل الحرب مع إيران.
طهران ترفع سقف التهديد النووي
في المقابل، رفعت إيران بدورها نبرة التهديد. فقد نقلت وكالة شينخوا عن إبراهيم رضائي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، قوله إن أحد الخيارات المطروحة في حال تعرض إيران لهجوم جديد قد يكون رفع تخصيب اليورانيوم إلى 90 في المائة، مع بحث الأمر في البرلمان.
وهذا التصريح خطير من الناحية السياسية، لأن نسبة 90 في المائة ترتبط عادة بمستوى عال جدا من التخصيب يثير مخاوف دولية كبيرة. ومع ذلك، يجب التنبيه إلى أن التصريح يتحدث عن خيار محتمل في حال وقوع هجوم، وليس عن قرار إيراني معلن تم تنفيذه.
وتعكس هذه اللغة المتبادلة حجم الانسداد في المسار الدبلوماسي. فواشنطن تطالب بتنازلات واضحة في الملف النووي، بينما تربط طهران أي تسوية أوسع بملفات العقوبات، والسيادة، والضمانات، والوضع الإقليمي، ومضيق هرمز.
مضيق هرمز.. نقطة الضغط الأخطر
لا ينفصل التصعيد الحالي عن أزمة مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم. فقد أدى التوتر في المضيق خلال الأسابيع الماضية إلى اضطرابات واضحة في حركة النفط، وارتفاع مخاوف الأسواق من عودة المواجهة العسكرية.
وأفادت أسوشيتد برس، في تقرير عن اضطرابات مضيق هرمز، بأن محللين في الطاقة حذروا من أن أسعار النفط قد تقفز إلى مستويات مرتفعة جدا إذا استمر تعطل المرور عبر المضيق لأسابيع وتدهورت الأوضاع، بما قد يضغط على أسعار الوقود وميزانيات الأسر عالميا.
كما أفادت رويترز بأن صادرات العراق عبر مضيق هرمز تراجعت في أبريل إلى 10 ملايين برميل فقط، مقارنة بمستويات أعلى بكثير قبل الحرب، نتيجة اضطرابات الملاحة ومشاكل التأمين التي تمنع بعض الناقلات من دخول المضيق.
هذه المعطيات تجعل أي عودة للهجمات على إيران أكثر من مجرد تطور عسكري. فهي قد تتحول إلى صدمة في الطاقة، والنقل، وسلاسل الإمداد، وقد تصل آثارها إلى الدول المستوردة للطاقة، ومنها المغرب.
لماذا يهم هذا التصعيد المغرب؟
قد يبدو التصعيد بين واشنطن وطهران بعيدا عن المواطن المغربي، لكنه ليس بعيدا عن الأسعار. فالمغرب يستورد حاجياته من الطاقة، وأي ارتفاع في أسعار النفط أو اضطراب في طرق الشحن يمكن أن ينعكس على كلفة المحروقات، والنقل، والسلع المستوردة، وبعض المواد الغذائية التي تتأثر بسعر الطاقة والأسمدة والشحن.
ولا يعني ذلك أن كل تهديد عسكري سيؤدي مباشرة إلى ارتفاع الأسعار في المغرب. فهناك عوامل أخرى مثل سعر الصرف، المخزون، الضرائب، توقيت الاستيراد، وهوامش التوزيع، وتدخلات الدولة عند الحاجة. لكن من المؤكد أن أزمة طويلة في مضيق هرمز أو جولة جديدة من الضربات ستزيد الضغط على أسواق الطاقة العالمية.
وتشير تقارير اقتصادية حديثة إلى أن اضطرابات الحرب في إيران ومضيق هرمز أثرت فعلا في أسواق النفط، حيث ارتفعت الأسعار خلال موجات توتر سابقة بعد اشتباكات أمريكية إيرانية قرب المضيق.
بين الحرب النفسية والقرار العسكري
ما يجري حاليا يجمع بين الحرب النفسية والضغط العسكري والدبلوماسية المتعثرة. ترمب يرسل رسائل قاسية، إسرائيل ترفع مستوى التأهب وفق التقارير، وإيران تلوّح بخيارات نووية أكثر خطورة إذا تعرضت لهجوم.
لكن حتى الآن، لا توجد معطيات رسمية تؤكد أن قرار استئناف الهجمات قد صدر. لذلك يجب التعامل مع الوضع بوصفه مرحلة تأهب وتصعيد، لا مرحلة حرب مؤكدة. وهذا التمييز ضروري حتى لا يتحول التحليل الصحفي إلى تهويل أو توقعات غير مثبتة.
كما أن الأطراف المتصارعة قد تستخدم التسريبات والتهديدات لتحسين شروط التفاوض. فالتهديد العسكري قد يكون أداة ضغط، كما أن التلويح النووي الإيراني قد يكون رسالة ردع أكثر منه قرارا فوريا بالتنفيذ.
الأسواق تراقب أكثر من السياسيين
في مثل هذه الأزمات، تتحرك الأسواق قبل البيانات الرسمية أحيانا. فالمتعاملون في النفط يراقبون مضيق هرمز، مستوى المخزونات، حركة الناقلات، تصريحات البيت الأبيض، ومواقف طهران وتل أبيب.
وإذا توسعت المواجهة، فقد لا تتوقف التداعيات عند النفط. فارتفاع الطاقة يرفع كلفة النقل والتأمين والشحن، وقد ينعكس على أسعار مواد غذائية وصناعية، خصوصا في الدول التي تعتمد على الاستيراد.
لهذا يصبح خبر التصعيد حول إيران خبرا اقتصاديا أيضا، وليس عسكريا فقط. فالسؤال لم يعد: هل ستقع ضربة؟ بل أيضا: ماذا سيحدث للأسعار إذا وقعت؟
خلاصة المقال
التصعيد الحالي بين واشنطن وطهران لا يعني أن الهجمات على إيران أصبحت مؤكدة، لكنه يكشف هشاشة وقف إطلاق النار وتزايد الاستعدادات العسكرية والضغوط السياسية حول الملف النووي ومضيق هرمز.
- ترمب لوّح بالتصعيد عبر رسالة اعتُبرت مؤشرا على “هدوء ما قبل العاصفة”.
- تقارير إعلامية تحدثت عن استعدادات أمريكية إسرائيلية لاحتمال استئناف الهجمات، دون تأكيد قرار نهائي.
- أي عودة للمواجهة قد تضغط على أسعار النفط وسلاسل الإمداد، بما يهم الدول المستوردة للطاقة مثل المغرب.
التصعيد الجديد حول إيران لا يزال في منطقة رمادية بين التهديد والاستعداد والضغط السياسي. ترمب يرفع النبرة، إسرائيل تتأهب وفق تقارير إعلامية، وطهران ترد برسائل نووية حادة. وبين هذه الأطراف، يقف مضيق هرمز كأخطر نقطة في المعادلة، لأنه يحول الحرب من مواجهة إقليمية إلى أزمة طاقة عالمية.
لا يمكن تأكيد أن الهجمات ستستأنف خلال الأيام المقبلة. لكن يمكن تأكيد أن وقف إطلاق النار يبدو هشا، وأن الأسواق تراقب كل تصريح وكل تحرك عسكري بقلق متزايد.
وبالنسبة للمغرب، لا يتعلق الأمر بخبر بعيد فقط، بل بسؤال قريب من الحياة اليومية: ماذا يحدث لأسعار الطاقة والنقل والمعيشة إذا تحولت العاصفة التي يلوّح بها ترمب إلى مواجهة جديدة في الخليج؟