لم تعد الفيضانات التي شهدتها بعض أقاليم الشمال، وفي مقدمتها مدينة القصر الكبير، مجرد واقعة مناخية عابرة تدخل ضمن خانة الطوارئ الموسمية المتعلقة بالتقلبات المناخية، بل أظهرت لنا ذلك التحول النوعي في فلسفة تدبير الكوارث الطبيعية بالمغرب. فالمقاربة التي اعتمدتها السلطات العمومية تؤشر على إنتقال واضح من منطق التدخل الظرفي القائم على الإغاثة و الإنقاد، إلى منطق مؤسس على المعايير الدولية والمقاربة الحقوقية، حيث ينظر إلى المتضررين بوصفهم أصحاب حقوق تلتزم الدولة بحمايتها، لا مجرد مستفيدين من مساعدات ظرفية في إطار تدبير الحاجيات الأساسية الناتحة عن الكوارت الطبيعية.
وزارة الداخلية ومن خلال المعطيات التي وفرتها في إطار عمليات التدخل الميداني النوعي، تكشف لنا عن منطق الإشتغال المؤسساتي الذي يتجه نحو ترسيخ ثقافة الإستباق والجاهزية. فحجم المعطيات المقدمة وطبيعة التنسيق المعلن بين مختلف القطاعات، تعكس وعيا بأن الكوارث الطبيعية لم تعد أحداث إستثنائية معزولة، بل أصبحت جزءا من تحديات التحولات المناخية التي تفرض إعادة هندسة السياسات العمومية في مجال الوقاية والحماية المدنية.
لقد تم التعامل مع ما شهدته مدينة القصر الكبير وإقليم العرائش باعتباره وضعا متعدد الأبعاد، يقتضي تعبئة شاملة تتجاوز منطق الإختصاصات الضيقة. فالتنسيق الوثيق بين وزارة الداخلية، والقوات المسلحة الملكية، ومختلف المصالح المعنية، يجسد نموذج “الدولة الواحدة” حين يتعلق الأمر بحماية الأرواح. وفي هذا الباب تتراجع الحدود الإدارية لتنازع الإختصاصات لصالح منطق النجاعة والسرعة في إتخاذ القرار وتنفيذه، بما يعكس تراكم خبرة مؤسساتية في تدبير الأزمات الكبرى، سواء كانت طبيعية أو ذات طابع إستثنائي آخر.
إن أرقام الإجلاء المسجلة وإن كانت تكشف عن حجم المخاطر المحدقة، غير أنها تعكس قدرة لوجستيكية وتنظيمية على إدارة عمليات معقدة في زمن وجيز. كما أن إعتماد الإجلاء التدريجي وفق درجات الخطورة يدل على حضور التقدير العلمي والهيدرولوجي في القرار الإداري، بما يقطع مع الإرتجال أو الحسابات الشعبوية التي كثيرا ما تفاقم كلفة الكوارث. و هنا يتجلى التحول من رد الفعل إلى ثقافة الوقاية، ومن معالجة النتائج إلى إدارة المخاطر قبل إستفحالها.
ويكتسي إستحضار التوجيهات الملكية السامية بعدا مركزيا في فهم فلسفة هذا التدخل، إذ يكرس حماية المواطن باعتبارها أولوية عليا، ويمنح شرعية قوية للقرارات الصعبة، وفي مقدمتها الإخلاء الإجباري. فالتوجيهات المولوية السامية عملت على ضمان وحدة القرار وإنسجامه، وأضفت على عمليات التدخل بعدا سياديا يسمو على الإعتبارات الظرفية أو الحسابات الضيقة، و بما يعزز الثقة في قدرة الدولة على إدارة الأزمات بكفاءة ومسؤولية.
غير أن التحول الأبرز يتمثل في تكريس تصور دستوري حديث يجعل من الكرامة والأمن الاجتماعي التزام قانوني لا خيار تدبيري. فإحداث مخيمات الإيواء وفضاءات الإستقبال، وتوفير الدعم الضروري يعكس إدراكا بأن الكارثة لا تنتهي بإنحسار المياه، بل تمتد آثارها النفسية والإجتماعية والإقتصادية. ومن ثم فإن المقاربة المعتمدة لا تختزل في بعدها الأمني أو التقني، بل تنطوي على بعد إنساني وإجتماعي واضح، يروم الحفاظ على السلم الإجتماعي ومنع تحول الأزمة الطبيعية إلى أزمة ثقة بين الدولة والمجتمع.
وفي المقابل، أبانت الساكنة المحلية، خاصة في القصر الكبير عن مستوى ملحوظ من الوعي والمسؤولية، من خلال الإستجابة لتعليمات السلطات ومغادرة عدد كبير من المواطنين منازلهم بوسائلهم الخاصة. هذا السلوك الجماعي يعكس تطورا في الثقافة المجتمعية تجاه المخاطر الطبيعية، ويؤشر على علاقة أكثر نضجا بين الدولة والمواطن، قوامها الثقة المتبادلة والإدراك المشترك بأن حماية الأرواح أولوية قصوى.
إن القيمة الحقيقية لهذا التحول في تدبير الأزمات والكوارت الطبيعية تبقى رهينة بمدى تحويله إلى إطار قانوني ومؤسساتي دائم. فالإقرار العملي بحقوق المتضررين يقتضي وحود تأطير تشريعي دقيقاً لإعلان المناطق المنكوبة، وتحديد واضح لآليات التدخل والتعويض والمساءلة، بما يضمن الشفافية والإنصاف والإستدامة. كما يفرض إدماج البعد المناخي في سياسات التعمير، وتأهيل الأودية وإعادة النظر في أنماط البناء بالمناطق المعرضة للخطر، حتى لا يتحول التدخل الإستباقي إلى معالجة متكررة لأزمات متجددة.
إن التحولات المناخية تضع الدولة اليوم أمام إمتحان مستمر،إمتحان لا يقاس فقط بسرعة التدخل بل بقدرتها على بناء سياسة عمومية متكاملة تجعل من تدبير الكوارث مجال لتفعيل الحقوق وترسيخ دولة القانون. ومن هنا فإن ما أعتبر نموذج لممارسات فضلى في هذه الأزمة ينبغي أن يشكل منطلق لتشييد هندسة قانونية وإستراتيجية بعيدة المدى، قوامها الحق والنجاعة والتخطيط الإستشرافي.
ختاما، كشفت تجربة تدبير الفيضانات الأخيرة عن دولة حاضرة ومتأهبة، وعن مجتمع واع ومتضامن. غير أن التحدي الأكبر يكمن في تثبيت هذا التوازن وتحويله إلى قاعدة مؤسساتية دائمة، حتى يصبح الحق في الحماية من المخاطر الطبيعية جزء من العقد الاجتماعي الجديد في مغرب يواجه، بحكم موقعه الجغرافي وتحولاته المناخية، رهانات أكثر تعقيدا في المستقبل
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وإستراتيجي


التعاليق (0)