المغرب ليس إسبانيا… والصحراء المغربية ليست كتالونيا: قراءة صحفية في مغالطات خطاب «الشروق»

أخبار وطنية

بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام والصناعة الثقافية

في خضم النقاش المتجدد حول مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب لتسوية قضية الصحراء الصحراءالمغربية او النزاع المفتعل ، جاء مقال منشور في صحيفة «الشروق» الجزائرية ليعيد طرح مقارنات وسرديات سبق تداولها مراراً في الخطاب الإعلامي القريب من الموقف الرسمي الجزائري. غير أن القراءة المتأنية لهذا الطرح تكشف أنه لا يقدم تحليلاً تاريخياً أو قانونياً بقدر ما يعيد إنتاج رؤية سياسية معروفة، تقوم أساساً على مقارنة غير دقيقة بين حالتين مختلفتين جذرياً: الصحراء المغربية وكتالونيا.

  • مغالطة المقارنة بين الصحراء المغربية وكتالونيا

تقوم الفكرة المركزية في المقال على تشبيه مبادرة الحكم الذاتي بوضع إقليم كتالونيا داخل إسبانيا، وهي مقارنة تبدو للوهلة الأولى جذابة إعلامياً، لكنها تفتقد للأساس التاريخي والقانوني. فكتالونيا إقليم داخل دولة أوروبية مستقرة لم يكن يوماً قضية تصفية استعمار، بل نزاعاً سياسياً داخلياً ضمن دولة ذات سيادة.
في المقابل، نشأت قضية الصحراء في سياق إنهاء الاستعمار الإسباني سنة 1975، ما يجعل طبيعتها القانونية والسياسية مختلفة تماماً. وعليه، فإن وضع الحالتين في ميزان واحد لا يندرج ضمن التحليل الموضوعي بقدر ما يندرج ضمن محاولة لتبسيط نزاع معقد وتشويش الرأي العام.

  • روابط تاريخية سبقت الاستعمار

يتجاهل الخطاب الذي يروّج لفكرة “انفصال تاريخي” للصحراء المغربية وجود وثائق وشهادات تاريخية تؤكد روابط البيعة والولاء بين القبائل الصحراوية وسلاطين المغرب قبل الاحتلال الإسباني. وقد أشارت محكمة العدل الدولية سنة 1975 إلى وجود روابط قانونية بين سكان الإقليم والعرش المغربي، وهو عنصر أساسي في فهم السياق التاريخي للنزاع.
فالتاريخ لا يُعاد تشكيله عبر مقالات الرأي، بل عبر الأرشيف والمعاهدات والشهادات الدولية التي تشكل مرجعاً أساسياً في قراءة الماضي السياسي للمنطقة.

  • استرجاع إقليم في سياق تصفية الاستعمار

لم يكن ما حدث سنة 1975 ضمّاً لأرض أجنبية بقدر ما كان استرجاعاً لإقليم خضع للاستعمار الإسباني لعقود، في سياق عام شهد إنهاء الوجود الاستعماري الأوروبي في شمال إفريقيا. وقد جاء انتقال الإدارة بعد اتفاق مدريد ضمن مسار تصفية الاستعمار، وهو ما يختلف جذرياً عن حالات النزاعات الانفصالية داخل الدول المستقرة.

  • البوليساريو وسؤال الاستقلالية

يتجنب الخطاب الإعلامي المنتقد لمبادرة الحكم الذاتي طرح سؤال جوهري يتعلق بطبيعة جبهة البوليساريو. فمنذ نشأتها خلال فترة الحرب الباردة، ارتبط وجودها بالدعم السياسي والعسكري والمالي الجزائري، كما توجد قيادتها ومخيماتها في تندوف فوق التراب الجزائري.
وهنا يبرز تساؤل مشروع: كيف يمكن توصيف الحركة كفاعل مستقل بالكامل بينما تمارس نشاطها انطلاقاً من دولة إقليمية توفر لها الاحتضان السياسي واللوجستي؟ وهو سؤال ضروري لفهم طبيعة النزاع باعتباره صراعاً ذا أبعاد إقليمية، وليس مجرد حركة تحرر محلية معزولة.

  • الجزائر بين صفة المراقب ودور الطرف

رغم تقديم الجزائر نفسها أحياناً كطرف مراقب، فإن حضورها في مسار النزاع يتجاوز هذا الوصف، سواء عبر الدعم الدبلوماسي المستمر أو المشاركة في الموائد المستديرة التي ترعاها الأمم المتحدة. لذلك يرى عدد من المتابعين أن فهم استمرار النزاع يمرّ حتماً عبر فهم رهاناته الجيوسياسية، المرتبطة بالتوازنات الإقليمية والنفوذ الاستراتيجي في المنطقة المغاربية.

  • الحكم الذاتي كحل واقعي لا كشعار سياسي

في عالم يبحث عن حلول عملية للنزاعات الممتدة، تبرز مبادرة الحكم الذاتي كخيار سياسي واقعي يقوم على منح تدبير محلي واسع لشؤون الإقليم مع الحفاظ على وحدة الدولة واستقرارها. ويُفسّر هذا الطرح تزايد الدعم الدولي للمبادرة باعتبارها صيغة توافقية تتجاوز منطق الشعارات الأيديولوجية نحو مقاربة براغماتية.
فالقضية اليوم لم تعد مرتبطة بخطابات الحرب الباردة، بل بقدرة الأطراف على تبني حلول قابلة للتطبيق تضمن الاستقرار والتنمية لسكان المنطقة.

  • نحو نقاش إعلامي أكثر مسؤولية

في النهاية، يظهر أن مقال «الشروق» لم يكن قراءة تحليلية بقدر ما كان رد فعل على تحولات يعرفها الملف على المستوى الدبلوماسي. غير أن استقرار المنطقة المغاربية لن يتحقق عبر المقارنات الخاطئة أو التصعيد الإعلامي، بل عبر الاعتراف بتعقيد الواقع والعمل على بناء مستقبل قائم على التعاون بدل الصراع.
فالصحراء، في جوهرها، قضية تاريخ وجغرافيا وروابط بشرية، وليست مادة للمزايدات الإعلامية. والحلول الدائمة لا تُصنع في أعمدة الرأي بقدر ما تُبنى على الوقائع والوثائق والحوار السياسي المسؤول.