المسرحي عمر جدلي: “المسرح عَقْدٌ مقدّس يرفض التبخيس.. وسِياسات المَجانية تقتل ذائقة الجمهور”

حوارات


حاوره: عبد الغني بلوط

المقدمة:
يحلّ اليوم العالمي للمسرح هذا العام في سياق دولي ووطني شديد التعقيد؛ حيث تتجاذب “أب الفنون” تيارات الرقمنة المتسارعة، وضغوطات “مهننة” الثقافة، وتحولات الذائقة الجماهيرية التي باتت تميل إلى “الاستهلاك السريع”. وفي قلب هذا الصخب، يبرز صوت الفنان والباحث المسرحي عمر جدلي، كأحد الأصوات الغيورة التي لا تهادن في تشخيص الداء المسرحي.

لا يتحدث “جدلي” في هذا الحوار بمنطق الفنان المنكفئ على ذاته، بل ينطلق من رؤية سوسيولوجية ونقدية فاحصة لواقع الفرجة في المغرب. يفكك المفاهيم الملتبسة بين “المسرح الرصين” وعروض “الكوميديا الفردية”، ويضع الأصبع على الجرح الغائر في علاقة المؤسسة الوصية بالجمهور عبر بوابة “المجانية” التي يرى أنها أفسدت قدسية القاعة المسرحية. هو حوار عن “الدهشة المنفلتة” من زمن المادة، وعن “الغبن الثقافي” الذي تعانيه الحواضر التاريخية، ونداء صادق للأجيال الجديدة للبحث عن “شرط الموهبة” قبل ولوج عوالم الخشبة.

  1. نحتفل اليوم باليوم العالمي للمسرح.. كيف تقرؤون رسالة المسرح هذا العام في ظل التحولات الكبرى التي يعيشها العالم؟

عمر جدلي: مساء الخير، وشكراً على هذه الدعوة لنبش شجون المسرح وقضاياه. نحن نتحدث عن فن لا يكتفي بكونه نشاطاً ترفيهياً، بل هو “فن إنساني واجتماعي” يشتغل على ترميم بنية العلاقات البشرية في أبهى وأوسع تجلياتها. رسالة هذا العام التي صاغها الممثل العالمي “ويليام دافو” — وهو مسرحي مسكون بهوس الحياة — تضع الإصبع على الجرح؛ فالعالم اليوم يعيش تناقضات صارخة، انقساماً وعنفاً، ودورنا كمسرحيين هو ألا نسمح باختزال هذا الفن في مجرد “نشاط تجاري” جاف.

نحن نعيش مرحلة “مهننة الفنون” والصناعات الإبداعية، وهي مرحلة تخضع لمنطق السوق الصارم وهيكلة القطاعات. وفي المغرب، نشتغل وفق نموذج “الدعم المسرحي” الذي يفرض تعاقدات والتزامات، لكن وسط هذا الزخم التجاري، يجب أن تظل روح المسرح حاضرة كـ “بصيص من النور”. المسرح هو اللحظة “المنفلتة” من زمن الاقتصاد والتقنية ومن هذا الشرود الإنساني الكبير؛ هو الذي يعيدنا إلى زمن اللقاءات الحقيقية والروحانية التي غابت في عصر “التواصل الافتراضي”. الاحتفال اليوم هو وقفة للتأمل: هل حققت استراتيجيات الدعم والتوطين والإقامات الفنية أهدافها فعلاً في عمق المجتمع؟ أم أنها مجرد خدمة عابرة تقدمها الدولة للمواطن؟

  1. مراكش مدرسة قائمة بذاتها، من “الحلقة” إلى “الوفاء المراكشية”.. هل ما تزال المدينة قادرة على السير في درب الإبداع المسرحي؟
    عمر جدلي: الحديث عن مراكش يرافقه دائماً حنين (نوستالجيا) لزمن ذهبي. مراكش مدينة فنية بامتياز، وساحة “جامع الفنا” هي “مجمع الفنون” ومختبر الجمال الدائم. مراكش “ولّادة”، أعطتنا أجيالاً من الرواد والشباب لأن “الإنسان المراكشي” بطبعه رجل نكتة وحكي واستعراض، ولذلك سُميت بـ “البهجة”.

لكن، وبكل ألم، أقول إن مراكش طالها تهميش ثقافي وبنيوي بشع. مدينة بعظمة مراكش لا تتوفر على “مسرح” حقيقي! المسرح الملكي هو “مسرح موقوف التنفيذ”، ومسرح الهواء الطلق فيه لا يصلح للعروض المسرحية، بل قد يصلح لمهرجانات الضحك أو السينما، وهذه حقيقة لا يختلف فيها اثنان. أما “دار الثقافة” بالداوديات، فإغلاقها لست سنوات بداعي الإصلاح هو “إفساد” لحياة المسرحيين والمواطنين. الإصلاح الذي يتجاوز السنة يخرج عن معناه. مراكش تحتاج صرحاً يوازي حجمها، مثل مسارح الرباط والدار البيضاء ووجدة.
الحل الجريء هو هدم بناية المسرح الملكي الحالية وبناء مسرح بمواصفات حقيقية، لأن الترقيع بميزانيات ضخمة هو هدر للزمن. نحن كأبناء هذه المدينة نشعر بـ “غبن” كبير؛ فالتاريخ لا يذكر المشاريع السياحية والطرقات، بل يذكر ما خلفناه في “الإنسان” كجوهر ثقافي.

  1. يشتكي الكثيرون من “أزمة جمهور” وهجران الخشبة.. بصفتك ابن الميدان، أين تكمن المعضلة؟

عمر جدلي: الأزمة الحقيقية هي أزمة “وعي جماهيري” وليست أزمة إبداع؛ فثمة فرق مسرحية تملأ القاعات عن آخرها، مما يعني أن الجمهور موجود. لكن المشكل الجوهري هو “المجانية”. كل خدمة مجانية تصبح “غير مرغوب فيها” وتُبخص قيمتها. وزارة الثقافة سقطت في هذا الفخ؛ فالدعم يجب أن يُمكّن الفرق من الإنتاج، لكنه لا يجب أن يمنعها من بيع التذاكر.

إن إغراق الجمهور بالدعوات المجانية يجعل المتفرج في موقف “الاستغناء”، وهنا يُهضم حق العمل المسرحي. الدعوة يجب أن تكون “شرفية” بقدسية خاصة، أما الجمهور العريض فيجب أن يؤدي ثمن التذكرة ليعتاد الاستثمار في ثقافته. “ويليام دافو” ذكر أنه كان يقدم عروضه ولو لثلاثة أشخاص، لأن قيمة المسرح في شرط “الفرجة المشروطة”. المجانية سلاح ذو حدين؛ فهي تفتح القاعات لجمهور غير منضبط، لا يملك ثقافة التلقي، فيحول القاعة إلى “ملعب” بالصراخ والضجيج، بينما التذكرة هي “عقد احترام” يجعل المتفرج شريكاً في تقديس اللحظة. المسرح يحتاج استراتيجية تشترك فيها المدرسة والإعلام والأحزاب لمصالحة الجمهور مع “الفعل الثقافي” كأداة لبناء الشخصية، وليس كمجرد ترفيه عابر.

  1. يلاحظ تحولاً نحو “مسرح الكوميديا الفردية” (الستاند أب) على حساب المسرح الجماعي الرصين. كيف تقرؤون هذا التمدد؟

عمر جدلي: أولاً، يجب أن نؤكد أن عروض “الستاند أب” أو الفكاهة السريعة الجاهزة ليست أعمالاً مسرحية بالمرة، وهي بعيدة عن “أبي الفنون” وضوابطه التي تعارف عليها البشر منذ الإغريق. المسرح له رهبته ودهشته، بينما “الوان مان شو” الهزلي يركز على إثارة الضحك اللحظي ويفتقر للعمق الإنساني.

ومع ذلك، استطاعت هذه العروض بحكم “المأسسة” والتقنية بناء علاقات مع شرائح واسعة وتحقيق مداخيل ضخمة. السؤال هو: لماذا يؤدي المتفرج 500 أو 1000 درهم لمشاهدة فكاهي، ويصطف في طوابير محترمة، بينما يغيب عن المسرح؟ الجواب هو “شرط الاحترام” المادي؛ حين أدفع ثمن التذكرة، أجد كرسياً مرقماً يحترم خصوصيتي، وأكون وسط جمهور متجانس شاركني نفس الشرط. أما المسرح الجاد، فحين يقدم بالمجان، يختلط فيه الحابل بالنابل. نحن مطالبون برفع جودة أعمالنا وبفرض “شرط التذكرة” وتثمين الفعل المسرحي كأداة لتهذيب الذوق وليس كاستهلاك مادي سريع مثل “فيديوهات الدقيقتين” التي أفسدت ذائقة الجيل الحالي الذي لم تعد له القدرة على تخصيص وقت لاستقبال إبداع يتجاوز دقائق معدودة.

  1. كلمة أخيرة للشباب المسرحي في المغرب قاطبة في يومهم العالمي؟

عمر جدلي: لست هنا لأقدم نصائح مكررة ومجترة، بل هو “نداء وجداني”: آمنوا بما تفعلونه، وأحبوه، واختاروا ما تميل إليه قلوبكم. الربح والانتشار السريعان ممكنان، لكن الحفاظ على النجاح الدائم والتصالح مع الذات هو التحدي الصعب. اليوم العالمي للمسرح هو مناسبة للوقوف مع “الذات الجماعية” التي تضم الرواد والمخضرمين والشباب.

الإخلاص هو ديدنكم الحقيقي؛ الإخلاص لله، للإنسان، وللوطن. ولا يهمكم العدد الكبير الذي يثني عليكم، بل تهمكم تلك القلة التي تكشف لكم مواطن الخلل بصدق. وأقول لكل شاب: يجب أن تكون مقتنعاً بموهبتك؛ فهناك من أخطأ الطريق للمسرح ويحلم بالنجومية دون امتلاك “شرط الموهبة”. لا عيب في أن تعود أدراجك إذا اكتشفت أن الفن ليس طريقك، لكيلا تعيش حياتك بعقدة “المغبون” أو “المضطهد”. الفن هو متعة العيش بسلام ورضا، وليس ساحة للصراع على وهم الشهرة. ليس عيباً أن نخطئ الاختيار في البداية، لكن العيب أن نستمر في الخطأ ونحن ندرك غياب الموهبة. كل عام والمسرح والمسرحيون في العالم بأسره بألف خير.