المدرسة العتيقة الرحمة بأيت ياسين : استمرار لذاكرة العلم وحفظٌ لإرث الأجداد بالجنوب المغربي

أكادير والجهات

بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

في ربوع الجنوب المغربي، حيث تتعانق الذاكرة العلمية مع عمق التاريخ الصحراوي، تنتصب المدرسة العتيقة الرحمة بجماعة أفركط التابعة لإقليم كلميم، جهة كلميم وادنون، شاهدةً على استمرارية تقاليد التعليم العتيق، وعلى وفاء منطقة آيت ياسين لإرثها العلمي الذي تناقلته الأجيال جيلاً بعد جيل. فهي ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل فضاء روحي وثقافي يعكس ارتباط الإنسان الجنوبي بالعلم والدين، ويجسد استمرار رسالة تربوية ضاربة في جذور التاريخ.

  • آيت ياسين… أرض الفقهاء وحملة القرآن

لم تنشأ المدرسة العتيقة الرحمة في فراغ، بل قامت في مجال عُرف تاريخياً بكونه موطناً للفقهاء والأئمة وحفظة القرآن. فقد اشتهرت قبيلة آيت ياسين، منذ قرون، بإسهامها في الحركة العلمية والدينية، حتى أصبح العلم جزءاً أصيلاً من الهوية الجماعية لأبنائها.
وقد برز علماء المنطقة في مجالات التعليم الديني والقضاء والإرشاد، فكانوا مرجعاً للقبائل المجاورة، وساهموا في نشر المعرفة الشرعية وترسيخ قيم الدين واللغة العربية. كما كان لهم حضور مؤثر في الحياة الدينية والسياسية للمغرب، حيث اعتمدت عليهم الدولة السعدية خلال فترات تاريخية دقيقة، خاصة في تعبئة المجتمع علمياً وروحياً لمواجهة الوجود البرتغالي بسوس والسواحل المغربية.
لقد اضطلع هؤلاء العلماء بدور الحارس للعقيدة ووحدة المجتمع، فجمعوا بين التعليم والإصلاح الاجتماعي، ولا تزال آثارهم العلمية والروحية حاضرة في مناطق الأطلس الصغير والكبير، وحاحا وتارودانت، حيث تحفظ الذاكرة المحلية أسماءهم وسيرهم باعتبارهم أعلاماً للعلم والصلاح.

  • المدرسة التاريخية باسرير وإرث نول لمطة

ويمتد هذا العمق العلمي إلى مدرسة عتيقة تاريخية بمنطقة اسرير، وهي مدرسة سيدي محمد بن عمر، التي شُيّدت بمنطقة اسرير على مقربة من موقع مدينة نول لمطة التاريخية. وقد شكلت هذه المدينة، عبر قرون طويلة، مركزاً تجارياً وعلمياً بارزاً يربط المغرب بعمقه الإفريقي، من خلال القوافل التجارية والعلمية التي حملت السلع والمعارف معاً.
وكانت تلك المدرسة من أبرز منارات العلم في الجنوب المغربي آنذاك، حيث قصدها الطلبة من مختلف القبائل، وتخرّج منها عدد من علماء المنطقة الذين حملوا مشعل المعرفة ونشروه في البوادي والحواضر. ومن بين هؤلاء أبناء آيت ياسين الذين أسهموا في استمرار الحركة العلمية، فصار التعليم العتيق تقليداً راسخاً داخل المجتمع.

  • مدرسة الرحمة… حفظ الذاكرة وتجديد الرسالة

أما المدرسة العتيقة الرحمة بأيت ياسين اليوم، فرغم أنها لا تقوم فوق آثار نول لمطة، فإنها تمثل امتداداً رمزياً وروحياً لذلك الإرث العلمي العريق. فقد ظلت القبيلة محافظة على ذاكرة الأجداد وقيم التعلم التي أسستها المدارس والزوايا القديمة، فجاء تأسيس هذه المؤسسة ليجدد العهد مع رسالة التعليم الأصيل.
وتسعى المدرسة إلى أداء أدوار تربوية وعلمية متعددة، من أبرزها:

  • تحفيظ القرآن الكريم وضبط تلاوته وإتقان علومه
  • تدريس الفقه والعلوم الشرعية واللغة العربية
  • ترسيخ قيم الاعتدال والوسطية والتربية الأخلاقية
  • الحفاظ على استمرارية التعليم العتيق داخل المجال القروي
  • إعداد جيل متشبث بهويته الدينية والثقافية وقادر على خدمة مجتمعه.
    وبذلك تصبح المدرسة فضاءً يجمع بين الأصالة والتجديد، حيث يلتقي التراث العلمي العريق بحاجات الحاضر وتحدياته.
  • بين الماضي والحاضر

لا تكمن أهمية المدرسة العتيقة الرحمة في دورها التعليمي فحسب، بل في كونها جسراً يربط الحاضر بالماضي. فهي تعبير حي عن قدرة المجتمع المحلي على صيانة تراثه العلمي رغم التحولات الاجتماعية والثقافية، وتحويل ذاكرة الأجداد إلى مشروع تربوي متجدد يخدم الأجيال الصاعدة.
إن استمرار هذا النموذج من التعليم يعكس وعياً جماعياً بقيمة العلم باعتباره أساس الاستقرار الروحي والاجتماعي، ويؤكد أن المدارس العتيقة ما تزال تؤدي دوراً مهماً في حفظ الهوية الثقافية والدينية بالمناطق القروية.

  • الخاتمة

هكذا تظل آيت ياسين فضاءً حافظاً للعلم، ووعاءً لذاكرة العلماء الذين أسهموا في صنع تاريخ المنطقة. فالمدرسة العتيقة الرحمة ليست بديلاً عن المدارس التاريخية التي ازدهرت باسرير وعلى أرض نول لمطة، بل هي استمرار لروحها وامتداد لرسالتها.
إنها دليل حي على أن مشعل العلم الذي أضاء الجنوب المغربي قديماً ما يزال متقداً إلى اليوم، بفضل إرادة المجتمع وتمسكه بإرثه العلمي، وإيمانه بأن المعرفة تبقى السبيل الأسمى لصون الهوية وبناء المستقبل.