فتح الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، نقاشا جديدا حول مستقبل الطاقة في القارة الإفريقية، بعدما أكد أن إفريقيا تستطيع، إذا توفرت لها التمويلات المناسبة، أن تنتج بحلول سنة 2040 كهرباء نظيفة تفوق احتياجاتها بعشر مرات، وبشكل كامل من مصادر متجددة.
- من تصريح عالمي إلى سؤال مغربي
- لماذا يهم هذا التصريح المغرب؟
- الهيدروجين الأخضر.. الورقة المغربية في التحول الإفريقي
- إفريقيا لا تحتاج الكهرباء فقط.. تحتاج الشبكات والتخزين
- الربط مع أوروبا.. فرصة لا تخلو من المخاطر
- العدالة المناخية.. لماذا يطالب غوتيريش بتمويل مختلف؟
- المغرب بين الطموح والواقع
- ماذا يمكن أن يربح المغرب من “كهرباء إفريقيا النظيفة”؟
- الخطر الأكبر: أن تتحول إفريقيا إلى خزان طاقة للآخرين
وجاء تصريح غوتيريش خلال افتتاح Africa Forward Summit في نيروبي، حيث شدد على أن إفريقيا يجب أن تكون في قلب العدالة المناخية، لا على هامشها. فالقارة، وفق الأمم المتحدة، تملك حوالي 60% من أفضل الإمكانات الشمسية في العالم، لكنها لا تحصل سوى على نحو 2% من الاستثمارات العالمية في الطاقة النظيفة. وفي الوقت نفسه، ما يزال حوالي 600 مليون إفريقي يعيشون دون كهرباء.
هذه المفارقة تلخص جوهر الأزمة: إفريقيا لا تعاني فقرا في الشمس أو الرياح، بل تعاني نقصا في التمويل العادل، وضعفا في البنيات الكهربائية، وارتفاعا في كلفة الاقتراض، وتأخرا في تحويل الإمكانات الطبيعية إلى مشاريع إنتاج ونقل وتخزين وصناعة.
من تصريح عالمي إلى سؤال مغربي
بالنسبة للمغرب، لا يبدو تصريح غوتيريش مجرد كلام عام عن إفريقيا. فالمملكة توجد في قلب هذا النقاش، لأنها راكمت خلال السنوات الأخيرة تجربة مهمة في الطاقة الشمسية والريحية، وتضع لنفسها هدفا واضحا يتمثل في رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52% من القدرة الكهربائية المنشأة بحلول 2030. وتؤكد الوكالة الدولية للطاقة أن هذا الهدف يتطلب إضافة نحو 10 جيغاواط من القدرات المتجددة بين 2018 و2030، موزعة بين الطاقة الشمسية والريحية والكهرومائية.
وتشير معطيات حديثة إلى أن المغرب يصنف ضمن أبرز الدول الإفريقية في مجال الطاقات المتجددة، مع قدرة متجددة تفوق 4 جيغاواط وفق بيانات منشورة في الدليل التجاري الأمريكي لسنة 2025، إلى جانب استمرار الهدف الرسمي المتعلق ببلوغ 52% من القدرة المنشأة من مصادر متجددة في أفق 2030.
هذا يعني أن المغرب لا يدخل النقاش الإفريقي من موقع المتفرج، بل من موقع بلد يحاول تحويل موارده الشمسية والريحية إلى رافعة اقتصادية وصناعية واستراتيجية.
لماذا يهم هذا التصريح المغرب؟
تأتي أهمية تصريح غوتيريش من كونه يحول الطاقة النظيفة من ملف بيئي إلى ملف اقتصادي وجيوسياسي. فإذا كانت إفريقيا قادرة فعلا على إنتاج كهرباء تفوق حاجتها بعشر مرات، فالسؤال يصبح: من سيمول؟ من سيبني الشبكات؟ من سيخزن؟ من سيصنع المعدات؟ ومن سيصدر الكهرباء أو مشتقاتها؟
هنا يبرز المغرب في موقع خاص. فهو قريب من أوروبا، مرتبط كهربائيا بإسبانيا، ويتوفر على خبرة في مشاريع الطاقة الشمسية والريحية، كما يراهن على الهيدروجين الأخضر ومشتقاته لفتح مرحلة جديدة من التصنيع الطاقي. شراكة الطاقة المغربية الألمانية تؤكد أن المغرب، بفضل موارده الشمسية والريحية وموقعه وقربه من أوروبا، يملك مؤهلات لدعم صادرات الهيدروجين الأخضر وتطوير اقتصاد تنافسي في هذا المجال.
الهيدروجين الأخضر.. الورقة المغربية في التحول الإفريقي
أحد أهم مداخل المغرب إلى المستقبل الطاقي الإفريقي هو الهيدروجين الأخضر. فقد أعلنت الحكومة المغربية في مارس 2024 “عرض المغرب” الخاص بالهيدروجين الأخضر، وهو إطار موجه للمستثمرين الراغبين في تطوير مشاريع مدمجة تبدأ من إنتاج الكهرباء المتجددة والتحليل الكهربائي، وتمتد إلى إنتاج الهيدروجين ومشتقاته.
وتؤكد بوابة الهيدروجين الأخضر التابعة لـGH2 أن “عرض المغرب” أُعلن يوم 11 مارس 2024 بهدف تعزيز موقع المملكة في السوق العالمية للهيدروجين الأخضر، مستندا إلى توجيهات رسمية وإلى رغبة في جعل المغرب فاعلا تنافسيا في هذا القطاع.
لكن الأهم هنا هو أن المغرب لا يريد فقط تصدير الكهرباء أو الهيدروجين كمادة خام جديدة. الرهان الأكبر هو خلق صناعة محلية مرتبطة بالأمونيا الخضراء، الأسمدة، الفولاذ منخفض الكربون، النقل البحري، وربما وقود الطيران المستدام مستقبلا. وهذا هو الفرق بين بلد يستغل الشمس فقط، وبلد يحول الشمس إلى قيمة صناعية.
إفريقيا لا تحتاج الكهرباء فقط.. تحتاج الشبكات والتخزين
تصريح غوتيريش عن قدرة إفريقيا على إنتاج كهرباء نظيفة تفوق حاجتها بعشر مرات لا يعني أن الحل بسيط أو قريب تلقائيا. فإنتاج الكهرباء من الشمس والرياح يتطلب شبكات نقل قوية، وربطا بين المناطق، وأنظمة تخزين، ومرونة في الشبكات، وتمويلا طويل الأمد.
وهذه النقطة تهم المغرب مباشرة. فكلما ارتفعت حصة الطاقات المتجددة، ارتفعت الحاجة إلى شبكات ذكية، تخزين كهربائي، محطات ضخ مائي، بطاريات، وربط إقليمي. لذلك، فإن المرحلة المقبلة ليست فقط بناء محطات شمسية وريحية، بل بناء منظومة كاملة قادرة على استقبال الطاقة المتقطعة وتوزيعها وتحويلها إلى منتجات قابلة للتصدير.
تقرير حديث حول الأنظمة الهجينة للطاقة المتجددة في المغرب، نشرته RES4Africa في أبريل 2026، اعتبر أن دمج الطاقة الشمسية والريحية والتخزين يمكن أن يعزز نجاعة وموثوقية واستدامة الإمدادات الكهربائية المغربية، مع دعم موقع المملكة في الانتقال الطاقي الإقليمي والعالمي.
الربط مع أوروبا.. فرصة لا تخلو من المخاطر
موقع المغرب الجغرافي يمنحه ميزة مهمة: قربه من أوروبا. وهذه الميزة جعلت مشاريع الربط الكهربائي، وخاصة مشروع نقل الكهرباء النظيفة من المغرب إلى بريطانيا عبر كابل بحري، تحظى باهتمام واسع. غير أن هذا المشروع نفسه يوضح أن الطريق ليس سهلا.
فشركة Xlinks أعلنت أن الحكومة البريطانية قررت في يونيو 2025 عدم المضي في عقد دعم لمشروع الربط الكهربائي بين المغرب والمملكة المتحدة، ما ترك المشروع دون مسار شراء واضح للكهرباء، رغم أن الشركة قالت إنها تواصل البحث عن بدائل.
هذا المثال مهم للمغرب لأنه يكشف أن امتلاك الشمس والرياح لا يكفي. فالمشاريع الكبرى تحتاج عقود شراء طويلة، ضمانات سياسية، قبول تنظيمي، أمن للكابلات، وتمويل ضخم. وبالتالي، ينبغي ألا يُقرأ التحول الطاقي باعتباره “ثروة سهلة”، بل كمعركة تخطيط وتمويل وحكامة.
العدالة المناخية.. لماذا يطالب غوتيريش بتمويل مختلف؟
غوتيريش ربط قدرة إفريقيا على إنتاج الطاقة النظيفة بشرط واضح: التمويل. فالقارة لا تحصل إلا على جزء محدود جدا من استثمارات الطاقة النظيفة، رغم امتلاكها موارد ضخمة، وفي الوقت نفسه تواجه آثار التغير المناخي وتكاليف الاقتراض المرتفعة.
وتشير وكالة رويترز، نقلا عن مسؤول أممي في 2024، إلى أن إفريقيا قد تواجه فجوة تمويل مناخي تناهز 2.5 تريليون دولار بحلول 2030، رغم أنها من أقل القارات مساهمة في الانبعاثات العالمية. كما أشار التقرير إلى أن القارة تحصل على نحو 2% فقط من الاستثمارات العالمية في الطاقة النظيفة.
من زاوية مغربية، هذا النقاش يهم المملكة في مفاوضاتها مع الشركاء الأوروبيين والمؤسسات المالية الدولية. فالمغرب يحتاج إلى تمويل أرخص وأطول مدى لتسريع مشاريع الطاقة، لكنه في الوقت نفسه مطالب بتحقيق توازن بين أمنه الطاقي، كلفة الكهرباء، وحماية القدرة الشرائية.
المغرب بين الطموح والواقع
رغم تقدمه في الطاقة المتجددة، ما يزال المغرب يواجه تحديات حقيقية. فالفحم ما يزال يلعب دورا كبيرا في إنتاج الكهرباء. ووفق رويترز، أعلنت المملكة خططا للتخلص التدريجي من الفحم بحلول 2040، مع ربط تسريع هذا المسار بالحصول على تمويل مناخي دولي. وأشار التقرير إلى أن الفحم مثل 59.3% من مزيج الكهرباء في 2024، بعدما كان في حدود 70% سنة 2022، مع استمرار هدف بلوغ 52% من القدرة المنشأة من مصادر متجددة بحلول 2030.
هذا يعني أن المغرب يوجد في مرحلة انتقالية معقدة: لديه مشاريع طموحة في الشمس والرياح والهيدروجين، لكنه ما يزال يحتاج إلى ضمان استقرار الشبكة وتلبية الطلب الصناعي والمنزلي، وتقليص الاعتماد على الفحم دون رفع الكلفة بشكل يضر الاقتصاد والمواطنين.
ماذا يمكن أن يربح المغرب من “كهرباء إفريقيا النظيفة”؟
أول ربح محتمل هو تعزيز الأمن الطاقي. فكل كيلوواط ينتج محليا من الشمس أو الرياح يقلص جزءا من فاتورة الاستيراد ويخفف التعرض لتقلبات أسعار الوقود الأحفوري.
ثاني ربح هو الصناعة. فإذا نجح المغرب في ربط الطاقة النظيفة بالفوسفات والأسمدة والأمونيا الخضراء والصناعات المعدنية، فقد يتحول من مستورد للطاقة إلى منتج لقيمة صناعية خضراء.
ثالث ربح هو التصدير. ليس بالضرورة تصدير الكهرباء فقط، بل تصدير منتجات صُنعت بطاقة نظيفة، وهو ما قد يصبح ميزة تنافسية مع تشديد أوروبا لقواعد الكربون على الواردات.
رابع ربح هو التموضع الإفريقي. فالمغرب يمكن أن يلعب دور منصة بين إفريقيا وأوروبا في التمويل والخبرة والمشاريع، خاصة إذا ارتبط ذلك بشراكات جنوب-جنوب في الكهرباء، الهيدروجين، التكوين، والهندسة الطاقية.
الخطر الأكبر: أن تتحول إفريقيا إلى خزان طاقة للآخرين
رغم أهمية التصريح الأممي، يجب طرح سؤال حساس: هل ستستفيد إفريقيا من كهربائها النظيفة، أم ستتحول فقط إلى خزان طاقة للأسواق الخارجية؟
هذا السؤال يهم المغرب أيضا. فنجاح التحول الطاقي لا يُقاس فقط بعدد المشاريع الكبرى أو حجم الصادرات، بل بمدى خفض كلفة الطاقة داخليا، خلق فرص شغل، نقل التكنولوجيا، تقوية الصناعة المحلية، وتوفير الكهرباء النظيفة للمواطن والمقاولة.
إذا أنتجت إفريقيا الكهرباء الخضراء لتصديرها فقط، مع بقاء مئات الملايين دون كهرباء، فسيكون ذلك تكرارا لنموذج قديم: تصدير الموارد وترك الفجوة الاجتماعية كما هي. أما إذا استُعملت الكهرباء النظيفة لبناء مصانع، تشغيل مدارس ومستشفيات، دعم الفلاحة، وتحسين الولوج إلى الطاقة، فستصبح فعلا رافعة تنموية.
تصريح غوتيريش بأن إفريقيا قادرة على إنتاج كهرباء نظيفة تفوق حاجتها بعشر مرات بحلول 2040 ليس مجرد رقم مثير. إنه رسالة سياسية واقتصادية واضحة: القارة تملك الموارد، لكنها تحتاج تمويلا عادلا، شبكات قوية، تخزينا، ونموذجا تنمويا لا يكرر أخطاء الماضي.
بالنسبة للمغرب، يشكل هذا التصريح فرصة لتأكيد موقعه داخل التحول الطاقي الإفريقي. المملكة تملك تجربة في الشمس والرياح، هدفا واضحا لرفع حصة الطاقات المتجددة، عرضا للهيدروجين الأخضر، وقربا استراتيجيا من أوروبا. لكنها في المقابل تحتاج إلى تسريع التخزين، تحديث الشبكات، تقليص الاعتماد على الفحم، وضمان أن تنعكس الطاقة النظيفة على الصناعة والوظائف وكلفة الطاقة.
الرهان الحقيقي إذن ليس أن تنتج إفريقيا كهرباء أكثر من حاجتها بعشر مرات فقط، بل أن تتحول هذه الكهرباء إلى تنمية عادلة. وهنا بالضبط يمكن للمغرب أن يلعب دورا محوريا، إذا نجح في تحويل طاقته النظيفة من مشروع بيئي إلى مشروع اقتصادي وصناعي واجتماعي متكامل.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله