“محمد أركون والمعالجة السيميائية للنصوص التراثية والدينية”
ولد محمد أركون في بلدة توريرت ميمون بمنطقة القبايل الكبرى بالجزائر سنة 1928 قضى حياته الدراسية الأولى بمسقط رأسه ثم انتقل الى وهران وبعدهما الى الجزائر العاصمة وفيها استكمل تعليمه الجامعي وفي سنة 1955 نال شهادة التبريز في الأدب العربي بباريس وبين 1956 و 1959 مارس مهنة التدريس في فرنسا ثم عاد الى الدراسة والبحث العلمي بجامعة السوربون التي نال فيها شهادة الدكتوراه سنة 1969 عن أطروحة تحت عنوان (محاولة لدراسة الأنسية العربية في القرن الرابع الهجري) وتوالت اصداراته من الكتب والمؤلفات الفكرية والفلسفية مما فتح نقاشا سجالا حاميا حول فائدة استخدام النقد العلمي والتاريخي في النصوص التراثية، وبسبب بروز اسمه في عالم الفكر والمعرفة فقد تسابقت الكثير من الجامعات العالمية لعرض مشروعه عن “مكونات العقل الاسلامي الكلاسيكي” وحاضر فيها كأستاذ زائر ومن أهم هذه الجامعات العالمية التي زارها وحاضر فيها (الرباط – فاس – تونس – دمشق – بيروت – طهران – برلين – أمستردام – هارفارد- برنستون – كولومبيا …).
من أهم المؤلفات التي تحمل أسس مشروعه الفكري في تحليل ونقد مكونات “العقل الاسلامي” وفي قراءته المعاصرة للنص الديني:
1- الأنسية العربية في القرن الرابع الهجري : ابن مسكويه مؤرخا وفيلسوفا.
في هذا الكتاب يبرهن أركون عن وجود نزعة انسانوية عند العرب في القرن الرابع الهجري ويرصد فيه الحركات الفكرية والأدبية بالمعنى الكلاسيكي لكلمة أدب والتي سادت في تلك الفترة، كما يسجل وجود فكر تاريخي عقلاني متقدم بالقياس الى تلك الفترة الزمنية خصوصا عند ابن مسكويه كما يشيد بشكل خاص بأبي حيان التوحيدي الذي اعتبره أول من ركز على مشكلة الأنسان أمام الوجود بكل محسوسيتها وواقعيتها.
2- محاولات في الفكر الاسلامي
في هذا الكتاب يستعرض المؤلف العديد من المواضيع التي أثارها المستشرقون ومن أهمها (الوحي بين الحقيقة والتاريخ طبقا لأعمال الغزالي) كما يستفيض في نفس الكتاب في عرض أفكار المستشرق غوستاف فون غرونباوم.
3- وفي الفكر العربي: قدم عرضا سريعا ومكثفا لتاريخ الفكر العربي منذ الجاهلية مرورا بالإسلام وانتهاء بالنهضة فالثورة في العصر الحديث.
4- الاسلام بالأمس واليوم وهو الكتاب الذي ألفه بمشاركة لويس غارديه وخصه بتاريخ الإسلام بحسب التسلسل الزمني في حين عالج أركون في نفس الكتاب مسالة الفكر والحياة في المجتمعات الإسلامية مثيرا مفهوم الحداثة عند الغرب وبالنسبة للمجتمعات العربية والاسلامية.
5- الاسلام دين و دنيا. 6– نحو نقد العقل الاسلامي. 7- قراءات في القرءان والكتاب الأخير هو خلاصة البحوث التي كرس الكاتب لها جهوده طيلة عقود عندما انخرط في دراسة القرءان الكريم بغية تجديد فهمه مستفيدا من المناهج الحديثة كالسميولوجيا والألسنية والأسلوبية.
يرى أركون أنه من أجل بناء مشروع فكري جديد ضرورة القطيعة مع المقاربات الكلاسيكية القديمة مع الانفتاح على المعالجة السيميائية للنصوص الدينية في سبيل (حداثة جديدة كموقف دينامي للروح في مواجهة المعرفة) – محمد اركون من جريدة لوموند الفرنسية. وهو مشروع علماني حيث كان يرى في العلمانية “الجديدة” الخلاص من الفهم (المغلق والدوغمائي للإسلام مما يعرقل مسيرة التقدم وليس الإسلام كإسلام) وما يتخبط فيه المسلمون من مشاكل ومن تخلف لا يمكن القضاء عليه الا بالتجديد والاجتهاد ويعتقد أنه لا يرى تصادما بين الإسلام والعلمانية !!!
يرى محمد أركون أن الدراسات الحالية والسابقة للنصوص الدينية والتراثية لا تشفي غليله ولا طموحه العلمي لأنها قاصرة عن بلوغ المستوى العلمي والمعرفي المطلوب، كما أن الأدوات المنهجية والقراءات النقدية التي اهتمت بالنصوص القرآنية لم تستطع الوصول الى جوهر الحقيقة في النص الديني ولذا كشف مكامن “القصور” فيها، وفي نفس الآن يدعو الى اعتماد منهج جديد في تحليل الخطاب بالإفادة من الأنثروبولوجيا والسميولوجية والألسنية والأسلوبية وعلم السرد وهو في اعتقاده ما سيسمح بتأسيس انجازات العلوم الحديثة تأسيسا ثقافيا عربيا.
ومن الخطوات المنهجية الأساسية في القراءة الأركونية للنصوص الدينية والتراثية:
أولا : القراءة الإيمانية.
ويقصد بها أركون كل التراث التفسيري الذي خلفه المسلمون أو كل ما دوّن عن القرءان الكريم قديما وحديثا من طرف رجال الدين والمفسرين للقران الكريم والأحاديث النبوية… ويقصد بهذه القراءة كل تعامل مع النصوص القرآنية ترسخ الأيمان وتثبته في نفوس المؤمنين.
القراءة الايمانية – في نظر أركون – تستند الى مبادئ ومسلمات دينية يصعب مناقشتها أو التشكيك فيها من طرف المسلم/المؤمن لأنها صادرة من الوحي والوحي المتجلي في القرءان هو شامل وكامل ويلبي كل حاجات الانسان والمؤمنين خاصة، الا أن أركون يرى أن التفسير الايماني منغلق داخل السياج الدوغمائي ويتبع استراتيجية الرفض من (أجل المحافظة على الايمان أو تجييشه وتهيئته اذا لزم الأمر) ويدعو الى الاستعانة بالمنهج التفكيكي لتفكيك البديهيات والمسلمات التي تؤسس التماسك الايماني ويقصد بالتفكيك (الحفر على الأساسات) على طريقة المنهجية الجنيالوجية ومن خلال المنظور الذي بلوره نيتشه لنقد القيمة.
يعتقد محمد أركون أن هذه المنهجية تساعدنا أن نكشف (عن الوظائف النفسية لهذه العقائد الايمانية وعن الدور الحاسم الذي تلعبه في تشكيل تركيبة كل ذات بشرية) أحمد بوعود – الظاهرة القرآنية عند محمد اركون.
ثانيا: القراءة التاريخية الانتروبولوجية.
يرى محمد أركون أن المنهجية الفيلولوجية والتاريخانية التي طبقها المستشرقون على النصوص الدينية والتراثية لم تعد كافية لحل القضايا الشائكة التي تواجه دارسي القرءان الكريم والتراث الاسلامي القديم وان كانت هذه المنهجية صالحة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين أما الآن فإنها لم تعد تشكل الا مرحلة أولى مبدئية من مراحل الدراسة لذا يدعو الكاتب الى تعميق القراءة والبحث عن طريق التحليل الأنثروبولوجي من أجل احداث التطابق بين المادة العلمية المدروسة ومضامين التراث المعاشة من جهة وبين الفعالية النفسية والتشكيلة البسيكولوجية العميقة للذات الجماعية من جهة أخرى وهذه الرؤية هي الكفيلة – في نظره – بإعادة النظر في التراث والاجابة عن الاسئلة الشائكة.
ثالثا: القراءة الألسنية والسيميائية الأدبية.
تأتي المنهجية التفكيكية والمنهجية الأركيولوجية مكملان للدراسات أو القراءات السابقة فالمنهج التفكيكي يعود في أصله الى الفيلسوف اللغوي جاك دريدا الذي استعاره بدوره من هايدغر وهو يعني به تفكيك التراث المدروس من الداخل وتجزئته الى أبنيته الأولية الأساسية أما المنهج الأركيولوجي فيعود الى الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو وهو يعني به الحفر عن الأعماق الدفينة التي ترتكز عليها ثقافة ما، في عصر ما، ومكان ما، وهذين المنهجين يعتبران حجر الزاوية بالنسبة للعلوم الألسنية والسميولوجية الحديثة. المرجع السابق.
ان اعتماد محمد اركون على هاذين المنهجين الحديثين في قراءة النصوص الدينية والتراثية جاء لكون القراءتين السابقتين التيولوجية الايمانية والتاريخية الاستشراقية تعانيان من ثغرات كبيرة فهي في نظر أركون غارقتان في دائرة اللامفكر فيه كما أن المعايير المطبقة في المجالين لا تنسجم مع المناهج اللغوية والنقدية والأدبية الحديثة ولذلك يتبع أركون منهجية جديدة في قراءة النص القرآني باستخدام المعارف اللغوية السيميائية والنقدية ويؤكد أن علم السيمياء يطمح الى الاستعادة النقدية التي تتخذ مسافة بينها وبين المواد المقروءة الأولية تم كل المواد الثانوية التي أنتجها التراث في آن معا.
ولقد نبه أركون الى أن المنهج السيميائي لا يمكن أن ينزع صفة الوحي عن النصوص الدينية ولا الى الغاء شحنتها التقديسية ولا الى ازالة آثار معناها الروحية بالنسبة للمؤمنين …
ملاحظات نقدية
- ان مشروع أركون التاريخي والفلسفي والذي تنضوي تحته كل مؤلفاته وبحوثه ليس مشروعا نقديا خالصا ولا دراسة علمية متكاملة لأنه يكتفي بالقراءة السطحية للنصوص وينتزع النص الديني من سياقه التاريخي والثقافي واللغوي.. فهو يأخذ الاستعمال الشكلي للبنيوية مما أوقعه في التعسف المنهجي، كما يسرع في اصدار الأحكام دون سند علمي ولا تبرير عقلي ويأخذ عن المستشرقين دون نقد وتمحيص ويتبنى منهجهم في الهدم والتقويض.
- ان القضايا التي أثارها محمد أركون بخصوص المسألة القرآنية ليست من القضايا الجديدة في الدراسات القرآنية ولقد سبقه الى اثارتها كثير من المستشرقين كما أن اثارة أركون لكثير من قضايا الفكر الاسلامي يفتقر الى الدلائل والبراهين وهذا ما يجعل بناءه الفكري الذي يدعي له العلمية بناء متهافتا سريع السقوط. (د- احمد بوعود)
- ان لجوئه الى اختيار تسمية “الظاهرة القرآنية” هو أمر غير مسلم به لأن “الظاهرة” محددة بالزمان والمكان وهذا ما لا يمكن أن ينطبق على القرءان الكريم الذي لا زمان ولا مكان له، وصحيح أنه نزل بالجزيرة العربية وفي القرن السابع الميلادي لكنه لم يقف عند ذلك لأنه معجزة خالدة الى يوم البعث.
- كما أن تسمية القرءان الكريم بالظاهرة غير صائب لأن (القرءان) مثقل بالشحنات الايمانية لا يمكن أن نفككها لأنه كلام الله تعالى وليس بكلام البشر والمنهج التفكيكي يرفع القدسية عن النص القرآني ويساويه بالنص البشري وهذا ما يسميه طه عبد الرحمان بخطة “التأنيس” (الانسان) ليسهل بعد ذلك التصرف فيه – د. احمد بوعود – الظاهرة القرآنية عند محمد اركون
- الاطناب والاكثار من استخدام المصطلحات التي أفرزتها العلوم اللغوية والانسانية المعاصرة ويبدو كعارض لها لا غير أما تطبيقها على الفكر الاسلامي والنص القرآني خصوصا كما يزعم فمجرد توهيم للقارئ يكشف عن عجز وقصور في التوظيف والتأويل.
- ان تطبيق المناهج اللغوية التي نتجت بالأساس عن التعامل مع نص بشري لا يستقيم ازاء النص القرآني لكون هذا الأخير ليس مجرد قصة أو حكاية أو أسطورة ولكنه كتاب هداية وايمان لا ينطبق عليه ما ينطبق على النص البشري تم ان هذه المناهج ظهرت في مناخ لا يعترف بوحدانية الخالق وهذه نقطة جوهرية تجعل استخدام هذه المناهج مصحوبا بكثير من الانحرافات والمزالق.
- منهج أركون هو منهج مقلد للمستشرقين يرى الدين قانونا ومعطى تاريخيا ويدرج التقوى والايمان في اطار حداثة تهدم وتقوض وتزعزع المسلمات العقدية لذى المسلمين.
ذ. محمد بادرة
