التواطؤ المبطن

3 دقائق (معدل القراءة)

التواطؤ المبطن
إن أهم المشاكل المستعصية على الحل، والتي يمتد أثرها البليغ إلى كل مناحي الحياة اليومية للمواطن، هي معضلة “التواطؤ”؛ ذلك التواطؤ الذي يكون مكشوفاً أحياناً، ومبطناً في أحيان كثيرة. وهو قائم في جوهره على تقاسم المصالح بين ممثلي السلطات المختلفة من جهة، وبين بعض مكونات المجتمع المدني والسياسي من أحزاب ومؤسسات مهنية، بل وحتى شركات القطاع الخاص من جهة أخرى. ويكون ثمن هذه المصلحة المشتركة، دائماً، هو ضياع حقوق المواطنين وهدر مصلحة الوطن.

أزمة قانون المحاماة: تبادل الاتهامات وكشف المستور
في إطار النقاش الساخن الدائر حول مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، والذي يبدو أنه وصل إلى نفق مسدود، خرج وزير العدل بتصريحات مثيرة للجدل. ويبدو أن الهدف منها هو الضغط على “جمعية هيئات المحامين بالمغرب”، واستعمالها كأوراق ضغط على المحامين وممثليهم في مؤسستي النقيب والمجلس.

إن تلويح وزير العدل بورقة المجلس الأعلى للحسابات يحمل في طياته إشارة مبطنة لوجود شبهات في تدبير المال العام داخل الوسط المهني.

في المقابل، لم يقف المحامون مكتوفي الأيدي أمام ما اعتبروه إهانة في حقهم؛ بل لوحوا بدورهم بوجود عمليات منتظمة لـ “هدر المال العام” داخل بعض القطاعات والمؤسسات العمومية، واستفادة مسؤولين إداريين منها فيما يشبه “سمسرة جلب الزبائن”. ويتم ذلك -حسب اتهاماتهم- من خلال احتكار مكاتب محاماة قليلة ومنتقاة للملفات القضائية الخاصة بتلك المؤسسات، مقابل عمولات ومنافع مادية تضمن مصالح هؤلاء المسؤولين.

ثقافة “اسكت لأمسك عنك”: واقع أم نمط تدبير؟
إن هذا الاتهام المتبادل ليس معزولاً، بل هو سيناريو يتكرر كلما طفت على السطح محاكمات لأشخاص تحوم حولهم شبهات الفساد المالي؛ حيث تتناقل وسائل الإعلام تهديدات المتهمين بجرّ مسؤولين آخرين يعلمون تورطهم في اختلاس المال العام أو الاستفادة منه بطرق مباشرة أو غير مباشرة. هذا النمط من السجال أضحى، للأسف، أمراً مألوفاً في المشهد العام بالمغرب.

لكن الجهر بالفساد وكشف المستور في هذه السياقات لا يأتي -في الغالب- من باب استشعار المسؤولية الوطنية، بل يُستعمل كدرع واقٍ رغبةً في الاستمرار في خرق القانون دون مساءلة أو محاسبة. ويبدو أن هذه الثقافة السلبية السائدة في الأوساط الرسمية وغير الرسمية لم تنل حظها من البحث الجاد والموضوعي، وكأن هذا الارتباط المصلحي شبكة معقدة لا تستثني أحداً.

في أفق الاستحقاقات المقبلة: إلى أين يسير المغرب؟
أمام هذا الوضع، يطرح السؤال الجوهري نفسه بـإلحاح:

هل تملك الدولة إرادة حقيقية لتفكيك شفرات الفساد الذي استشرى في المجتمع كالنار في الهشيم؟

هل نحن مقبلون على إرساء آليات رقابة قبلية، حقيقية، منتظمة ومستمرة، لحماية المال العام وتحصين البلاد من السقوط في المنزلقات؟

إن التستر على الفساد والتواطؤ لحماية المصالح الشخصية الضيقة يضع تدبير المرفق العام أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التدبير بعقلية المصلحة العامة والمسؤولية الوطنية، أو ترك الحبل على الغارب لفئة قليلة تحمي مصالحها بنهج سياسة “اسكت عليّ.. نسكت عليك”.

الكرة الآن في مرمى الدولة، قبل وخلال وبعد الاستحقاقات الكبرى التي ينتظرها المغرب (ككأس العالم)، فإلى أين يسير المغرب؟

الأستاذ: اليزيد كونكا

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.