بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
ما يجري في قصر اش بإقليم فكيك لا يمكن فهمه بمنطق “سوء التقدير الميداني” أو “حادث حدودي عابر”. نحن أمام فعل سياسي محسوب، صادر عن نظام يعيش واحدة من أكثر لحظاته ارتباكًا منذ عقود، بعد أن بدأت ورقة الصحراء المغربية، التي استثمر فيها لأزيد من نصف قرن، تفقد صلاحيتها داخليًا ودوليًا.
لقد بنى النظام الجزائري شرعيته الخارجية، وجزءًا من تماسكه الداخلي، على اختلاق عدو دائم اسمه المغرب، وعلى تضخيم نزاع إقليمي كان يمكن أن يُحل منذ السبعينيات لولا التدخل الجزائري المباشر. غير أن موازين القوى تغيرت، والوقائع على الأرض لم تعد قابلة للتزييف. فاليوم، المجتمع الدولي يتجه بشكل واضح نحو إغلاق الملف على أساس الحل الواقعي المغربي، ومبادرة الحكم الذاتي باتت الإطار الوحيد الجدي والقابل للتطبيق.
في هذا المنعطف بالذات، تأتي الاستفزازات في فكيك كـ محاولة يائسة لخلق أزمة بديلة. النظام الجزائري بحاجة إلى ضجيج جديد يملأ به الفراغ الذي خلّفه تآكل سرديته القديمة. فبدل مواجهة الأسئلة الحقيقية التي يطرحها الشارع الجزائري حول التنمية، والحريات، وتبديد الثروات، يُعاد إنتاج سيناريو قديم: افتعال توتر خارجي وتقديمه كدليل على “استهداف الجزائر”.
الأخطر أن هذه الاستفزازات تتزامن مع تحول نوعي في الموقف الأمريكي، حيث لم يعد مقبولًا التعامل مع الجزائر كطرف هامشي أو “غير معني مباشرة” بالنزاع. استدعاؤها إلى طاولة النقاش بواشنطن بوصفها سببًا جوهريًا في استمرار الأزمة شكّل صدمة سياسية للنظام، الذي يحاول الآن تسويق رواية مضللة مفادها أن حضوره الدولي جاء نتيجة توترات حدودية، لا نتيجة محاسبة سياسية.
وفي خلفية المشهد، يبرز عنصر آخر لا يقل أهمية: الهروب من ملف الصحراء الشرقية المغربية. فهذا الملف، الذي أُغلق قسرًا بفعل منطق القوة في مرحلة ما بعد الاستعمار، لا يزال شاهدًا على تناقض الخطاب الجزائري حول “تقديس الحدود الموروثة عن الاستعمار”. ولذلك، يصبح افتعال توترات محدودة في فكيك وسيلة فعالة لصرف الانتباه عن نقاش تاريخي وقانوني قد يفتح أبوابًا لا يرغب النظام في الاقتراب منها.
في المقابل، يختار المغرب عدم الانجرار إلى منطق الاستفزاز، لأنه يدرك أن المعركة الحقيقية لم تعد على الحدود، بل في الشرعية الدولية. فبينما يراكم المغرب اعترافات ومواقف داعمة، يكتفي النظام الجزائري بحركات استعراضية لا تغيّر شيئًا في موازين الحل، لكنها تكشف الكثير عن عمق أزمته.
إن فكيك اليوم ليست سوى مرآة لحقيقة أكبر: نظام فقد أوراقه الأساسية، فراح يلوّح بالهوامش. ومع اقتراب الحسم النهائي لملف الصحراء المغربية، لن تكون هذه الاستفزازات سوى فصل أخير في رواية استُهلكت، ولم تعد تقنع أحدًا، لا في الخارج ولا في الداخل الجزائري.


التعاليق (0)