دخل الذهب مرحلة غير مسبوقة في تاريخه بعدما تجاوز سعره العالمي عتبة 5000 دولار للأونصة، في قفزة وصفت بالاستثنائية، لكنها حملت في طياتها تداعيات ثقيلة على أسواق عديدة، وعلى رأسها السوق المغربية التي وجدت نفسها في مواجهة أزمة مركبة، لم تعد مرتبطة بالسعر فقط، بل بمستقبل مهنة الصياغة برمتها.
وكشف مهنيون في قطاع الحلي والمجوهرات أن السنوات الأخيرة اتسمت بركود واضح، خاصة أن الإقبال على الذهب لم يعد يشمل سوى الحالات الاضطرارية، مثل اقتناء هدايا الزواج أو المناسبات العائلية، في حين اختفت تقريبا فئات كانت تشتريه للزينة أو كوسيلة ادخار صغيرة.
ووصف عدد من التجار هذا الارتفاع بـ”الجنوني”، خاصة أن الأمر لم يعد حبيس لوحات البورصات العالمية، بل انعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمغاربة، وأصاب حركة البيع بالشلل، لافتين إلى أن صعود الأسعار لا يعني بالضرورة تحقيق أرباح للتجار، بل أدى في حالات كثيرة إلى تآكل هوامش الربح وتكدس السلع في واجهات المحلات.
ويزيد من تعقيد الوضع، وفقا لذات المهنيين، التذبذب الحاد في الأسعار، الذي يتسبب في خسائر يومية، إذ قد يبيع التاجر غراما من الذهب بسعر معين، ليفاجأ بعد ساعات بزيادة قد تصل إلى 50 درهما، ما يحول كل عملية بيع إلى مجازفة حقيقية.
وأمام هذا الواقع، اضطر عدد من الصياغ الصغار إلى التوقف المؤقت عن العمل، بسبب عدم قدرتهم على تجديد مخزونهم من المادة الأولية بالأسعار الجديدة، خاصة مع اتساع الفجوة بين السعر العالمي والمحلي.
وفي هذا السياق، دق إدريس الهزاز، رئيس الفدرالية المغربية للصياغين، ناقوس الخطر، مؤكدا أن الأزمة تجاوزت مسألة السعر لتلامس اختلالات بنيوية تهدد استمرارية المهنة.
وأشار الهزاز إلى أن الشركات المنجمية بالمغرب لا توفر الذهب للصياغ المحليين، علما أن هذا الأمر كان من شأنه أن يخفف من حدة الأزمة.
وفي سياق متصل، حذر المتحدث من تنامي نشاط التهريب، مستغلا الارتفاع القياسي للأسعار، حيث بات المهربون، بحسبه، يفرضون سطوتهم على السوق، محققين أرباحا خيالية تصل إلى 18 أو 20 مليون سنتيم في الكيلوغرام الواحد.
ومع بلوغ الذهب هذه المستويات القياسية، شهدت عدة مدن مغربية إغلاقا فعليا لمحلات مجوهرات، بعدما عجز أصحابها عن مجاراة التكاليف المرتفعة، سواء المتعلقة بشراء المادة الأولية أو الحفاظ على توازنهم المالي.
وبينما يرى البعض في الذهب ملاذا آمنا في مواجهة تراجع قيمة العملات واضطراب الأسواق، يرى مهنيون مغاربة أن كلفته الحالية أصبحت تهديدا مباشرا لحرفة تقليدية تشكل جزءا من النسيج الاقتصادي والحرفي للبلاد، غير أنه يظل، في نظرهم، استثمارا أكثر أمانا على المدى الطويل، وإن كان اليوم محفوفا بمخاطر حقيقية.


التعاليق (0)