إهداء إلى حفيظ الدراجي:بتر خريطة المغرب لن يُحيي جثة أنبوبكم الميت

إهداء إلى حفيظ الدراجي:
بتر خريطة المغرب لن يُحيي جثة أنبوبكم الميت!
لقد اطلعتُ، كغيري من المتابعين للشأن الجيوسياسي المغاربي على منشورك الأخير الذي ارتديتَ فيه فجأة جلباب “المحلل النفطي” محتفياً بنبرة انتصارية فولكلورية تحاول إعادة الروح في جثة مشروع “أنبوب الغاز العابر للصحراء” بين نيجيريا والجزائر عبر النيجر.
وهو منشور لا يخرج في عمقه التحليلي عن كونه تجسيداً حياً لأزمة “رد الفعل” المتشنج والمسكون بعقدة بلدي التي تلازمك وتلازم الآلة الرسمية خلفك كلما ضاقت بكم سبل المنافسة الشريفة على أرض الواقع الاستثماري والدبلوماسي.
ودعني أؤكد لك، منذ البداية أنني لستُ في معرض تبخيس حقك كإعلامي في الدفاع عن خيارات بلدك أو التسويق لمشاريعها فهذا شأن سيادي لا يعنيني في شيء.. لكن أن يقترن هذا “الاعتزاز” المزعوم بالإساءة المتعمدة إلى بلدي المغرب عبر بتر خريطته في ملصقك الترويجي ومحاولتك البائسة لتمرير رسالة مكشوفة مفادها أن أنبوبنا الأطلسي لن يكتمل لأن الصحراء “ما زالت محتلة” في مخيلتك المريضة بالأوهام فهذا تجاوز سافر يمنحني كامل المشروعية لتفكيك ترهات خطابك وبؤس خلفياته.
لقد اخترتَ يا دراجي ممارسة “التشويش” السياسي والنكاية الجوارية بحركة صبيانية مكشوفة تحاول يائسة التغطية على القفزات الثابتة والجريئة لمشروع “أنبوب الغاز الأطلسي” بين المغرب ونيجيريا.
هذا المشروع الهيكلي لا يعيش على الأوهام أيها المعلق الرياضي بل يقف اليوم على أرضية صلبة من الحقائق الدبلوماسية الدامغة آخرها الموقف الرسمي من أبوجا يعلن بوضوح أن قادة البلدين جلالة الملك محمد السادس والرئيس النيجيري بولا تينوبو يستعدون لتوقيع “الاتفاق الحكومي الدولي” التاريخي قبل نهاية السنة الجارية بحضور ممثلي دول غرب إفريقيا.
هذا الإعلان الصادر عن وزارة الخارجية النيجيرية ليس مجرد حبر على ورق بل هو تدشين لإنهاء دراسات الجدوى والبدء العملي في تنزيل بنية تحتية بقيمة 25 مليار دولار تأمّنت لها الضمانات والتمويلات الدولية بسلاسة وهدوء الكبار.
وإذا أردتُ أن أُفكك لك هذا “الإنجاز الورقي” للأنبوب العابر للصحراء الذي تطبل له سأكشف لك وللقراء أننا أمام عرس بلا عريس كما يقال عبر التناقض السريالي الذي شهدته الجزائر العاصمة حين خرج المسؤولون الجزائريون أمام الكاميرات ليعلنوا بنبرة حماسية عن “الإنهاء الكامل للدراسات وانطلاق الأشغال الفورية” فاجأهم الطرف النيجيري – وهو صاحب الغاز الحقيقي – على نفس الرصيف بتصريح بارد يقطر تحفظاً مؤكداً أن بلاده “ما زالت تأمل في التفكير ملياً وتعميق البحث حول الجدوى الاقتصادية والفنية للمشروع” قبل الحديث عن جلب أي تمويلات وهو شرط براغماتي ينسف هذه الفولكلورية الاستعراضية من أساسها ويحولها إلى مجرد بروبغاندة للاستهلاك الداخلي.. رافعا أمام انفك تحديا في أن تسميّ ولا دولة أو منظمة مالية عبرت عن نيتها الاستثمار في هذا المشروع الورقي
هو المشهد نفسه حين أعود بك إلى سابقة ملف منجم “غار جبيلات” بتندوف يومها ملأت أبواقكم الدنيا ضجيجاً وشعارات جوفاء حول الثورة التعدينية المزعومة ليرد الواقع الميداني اليوم ويفضح تلك البهرجة
فبالتزامن مع صخب أنابيبكم الورقية صُدمت منصات التواصل الاجتماعي اليوم بمقطع مصور لرحالة خليجي وثّق رحلته بدراجته النارية من وهران وصولاً إلى قلب “غار جبيلات” لتكشف عدسته المحايدة الحقيقة العارية التي حاول إعلامكم الرسمي حجبها: مكان خالٍ مقفر يسوده الصمت لا أثر فيه لآلة استخراج واحدة ولا لشاحنة شحن حديد ولا لورش ميداني حقيقي.
لقد طوى النسيان ذلك الصخب بعدما حزم الشركاء الدوليون
—وفي مقدمتهم الأتراك —حقائبهم وانسحبوا في صمت تفادياً للمغامرة وخوفاً من المتابعات القانونية نظراً لكون المنجم محكوماً بقوة القانون الدولي باتفاقية 1972 التي تشترط الاستغلال المشترك عبر شركة مختلطة بين المغرب والجزائر.
ولأن دورك لا يخرج عن دور “البرّاح” الذي يردد ما يُملى عليه فهذا لن يمنعني من القول لك، ولكل تلك الأبواق داخل منصات بلدك بأن المشاريع الاستراتيجية الكبرى لا تُبنى بريشة “الفوتوشوب” التي تبتر الخرائط الرقمية ولا تُمدّ أنابيب الغاز بصدى الصراخ في بلاتوهات الإعلام.
المشاريع الحقيقية تولد في ردهات الدبلوماسية الرصينة وتنمو على أرضية الثقة والواقعية، والمصالح المشتركة كما هو حال الأنبوب الأطلسي المغربي-النيجيري.
أما فلكلور المناكفة السياسية ومشاريع “رد الفعل” المتشنج التي تبشرنا بها فستظل مجرد حبر على ورق، تنتهي صلاحيتها وتتبخر أوهامها عند عتبة أول قاعة مؤتمرات..
تماماً كما ينتهي مفعول صراخك في الملعب بمجرد أن يطلق الحَكَم صافرة النهاية.

يوسف غريب كاتب صحفي

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. التعليقات النظيفة تُنشر، والمحتوى المخالف أو الإشهاري يُحال للمراجعة.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي أكادير24

بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله