مشهد على الطريق السيار بين أكادير والرباط يطرح أسئلة مؤلمة حول ثقافة السلامة الطرقية.
في مشهد أثار استغرابي واستنكاري، وأنا أسافر أمس عبر الطريق السيار الرابط بين أكادير والرباط، وقفت على سلوك لا يمكن وصفه إلا بالمغامرة غير المحسوبة. فقد شاهدت أسرة أوقفت سيارتها في حاشية الطريق السيار، في نقطة تبدو شديدة الخطورة، ثم فرشت الأرض وجلس أفرادها، رجل و سيدة وأطفالًا، يتناولون وجبة الفطور بكل هدوء واطمئنان، وكأنهم في حديقة عمومية أو فضاء مخصص للنزهة.
ولعل بعض القراء الكرام سيبادرون إلى القول إن السيارة ربما تعرضت لعطب مفاجئ، وهو احتمال وارد في مثل هذه الطرق. لكن ما شاهدته عن قرب لا يدع مجالًا كبيرًا لهذا التفسير؛ فطريقة الجلوس، وفرش الأرض، وتناول وجبة الفطور بكل أريحية، إلى جانب غياب أي إشارات تدل على التوقف الاضطراري، كلها مؤشرات توحي بأن الأمر لم يكن عطبًا مفاجئًا، بل اختيارًا مقصودًا للتوقف في مكان غير مخصص لذلك.
لقد صادفت خلال الرحلة نفسها سيارات أخرى تعرضت لأعطاب حقيقية، وكان أصحابها ملتزمين بقواعد السلامة، متوقفين بطريقة قانونية، مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة، دون أن يحولوا حاشية الطريق السيار إلى مكان للاستراحة أو تناول الطعام.
وهنا يفرض السؤال نفسه: أهو بخل دفع هذه الأسرة إلى تجنب الدخول إلى إحدى باحات الاستراحة؟ أم جهل بخطورة الطريق السيار وقواعد استعماله؟ أم هو استهتار بأرواحهم وأرواح أطفالهم؟
والأدهى أن جميع باحات الاستراحة على الطريق السيار تتوفر على فضاءات مخصصة للجلوس والاستراحة دون أي مقابل. فلا أحد مجبر على استهلاك أي خدمة أو شراء أي منتج من أجل أخذ قسط من الراحة أو تناول وجبته في مكان آمن ومهيأ لهذا الغرض.
الطريق السيار ليس مكانًا للنزهة ولا لتناول الطعام. إنه فضاء تسير فيه المركبات بسرعات مرتفعة، وأي توقف غير مبرر قد يتحول في لحظات إلى حادث مأساوي. والأسوأ من ذلك أن الضحية قد لا تكون فقط الأسرة التي اختارت المجازفة، بل قد يمتد الخطر إلى مستعملي الطريق الآخرين الذين قد يجدون أنفسهم أمام وضعية مفاجئة يصعب تفاديها.
إن وجود الأطفال في مثل هذا المشهد يزيد الأمر خطورة، فهم أول من يدفع ثمن أي لحظة تهور أو سوء تقدير.
إن احترام قانون السير ليس مجرد التزام قانوني، بل هو ثقافة ومسؤولية وسلوك حضاري. وما رأيته بالأمس ليس مجرد مخالفة عابرة، بل مؤشر على أن بعض السلوكيات ما زالت تحتاج إلى مزيد من الوعي والتربية على السلامة الطرقية، وإلى تطبيق صارم للقانون حمايةً للأرواح.
فلنتذكر دائمًا أن الطريق السيار وُجد للوصول الآمن إلى الوجهة، لا ليكون مكانًا للإفطار أو الاستراحة خارج الفضاءات المخصصة لذلك. فقرار خاطئ لا يستغرق سوى دقائق قد تكون عواقبه مأساة لا تُنسى.
بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

