( الحمار لا يشارك أبداً في السباق.. لكنه يضحك دائمًا على الحصان الخاسر)
هذه الحكمة المتهكمة تتجسد اليوم واقعًا مريرًا ونحن نتابع الهجوم الممنهج على منتخبنا الوطني لكرة القدم بمجرد تعثر منطقي في المقابلة الأخيرة مع فرنسا تحركت آلات صناعة الانطباع السلبي لتدمر كل ما ما أنجز خلال هذه البطولة ولم يعد هذا الأمر مقتصرًا على ذباب رقمي معلوم المصدر والهوى بل تجاوز ذلك ليجد له أدوات داخلية تحولت إلى ما يشبه الطابور الخامس الذي يشتغل وفق أجندة واضحة تروم تحويل الإنجازات إلى إخفاقات، والنجاحات إلى أوهام.
وهنا يجب التمييز بوضوح بين هذا الهدم الممنهج وبين النقد الرياضي والتقني الشريف والذي لا علاقه له مع خرجات
بعض “المؤثرين” بوجوه بارزة وملامح صارمة وعيون جاحظة ليمرروا أمام الجميع ترهات لا يقبلها عقل ولا منطق زاعمين أن المغرب “تفاوض” مع فرنسا لبيع نتيجة مباراة ربع النهائي مقابل إغلاق ملف قضائي يخص اللاعب أشرف حكيمي وبصيغة شعبية بئيسة رددوا: (بعنا الماتش لفرنسا) .
وإذا سرنا جدلاً مع هذا الطرح القيم وفككنا خيوط هذه “الصفقة الكروية” المزعومة فإن القاعدة البسيطة تقول:
إذا كان المغرب هو من باع فإن فرنسا هي من اشترت متسائلين وبدون فلسفة أو فذلكة:
لماذا تضطر فرنسا المرشحة الأولى عالمياً بما تملكه من ترسانة نجوم مرعبة إلى شراء مباراة !!?
إن الجواب المباشر يحمل في طياته شقين الأول إيجابي يعكس أن فرنسا هابت وعاشت لحظة تخوف وارتعاش من قوة وصلابة منتخب اسمه المغرب والشق الثاني هو أنه جواب غبي بامتياز يسقط تماماً أمام واقع الإمكانيات الكروية لمنتخب فرنسي يزخر بأعتى لاعبي العالم ولا يحتاج لصفقات مشبوهة ليتفوق في المقابلة
بل إن العبث السريالي وصل بآخرين إلى نبش القبور واستدعاء اتفاقية “إكس ليبان” مدعين بجهل مطبق وجود بند يقضي بـ”الهزيمة الأبدية” لمنتخب المغرب كلما قابل فرنسا.. دون أن يكلفوا أنفسهم عناء التفكير كيف لـ “منجمي” فرنسا قبل نصف قرن وأكثر أن يتوقعوا لقاءات كروية على الملاعب الأمريكية كما في قطر..!؟
والمثير للشفقة أن تتكامل هذه الصناعة الداخلية الغبية في نفس التوقيت مع حصة إعلامية خاصة بمنتخب المغرب بثتها القناة الأولى الرسمية لهذا الجار العبيط حيث كان الموضوع الرئيسي والوحيد هو تزفيت “الخبر السار والسري” لديهم والمتمثل في افتراء وجود قرار لمحكمة التحكيم الرياضي “الطاس” يقر بفوز السنغال بكأس إفريقيا للأمم
إن هذه البروباغندا المفضوحة تكشف أن خرافة “الطابور الخامس ليست مجرد وجهة تعبر عن رأي مخالف بل هي آلية تدميرية باختلاف أقنعته وأجنداته فهو لا يملك مشروعاً سوى انتظار أية كبوة عابرة لتضخيمها وربطها بـ (فساد عام) في كل مفاصل الدولة سواء تعلق الأمر بحريق غابات في الشمال، أو فيضانات بالقصر الكبير، وصولاً إلى هزيمة رياضية منطقية في كرة القدم. فالدولة فاسدة في الماضي والحاضر وحتى المستقبل البعيد.. تلك هي العقيدة الأبدية لديهم.
لكن خلف هذا الضجيج البائس تتجلى المقارنة الصارخة التي تفضح زيف هذا التبخييس وتبرز المرآة الحقيقية لمغرب ينمو.. ويتطور ويفرض مكانته الدولية.
إن هذا التحول في الممكنات نلمسه في واقع جيلين مختلفين تماماً فإذا كان جيلنا القديم قد خرج يوماً إلى الشوارع محتفلاً بالانتصار التاريخي على البرتغال والتأهل للدور الثاني كأول إنجاز إفريقي وعربي
فإن جيل اليوم – الذي نشأ في مغرب جديد – بات يعتبر تواجد بلده ضمن الثمانية الأقوى في العالم مسألة طبيعية بل ومحطة عادية في طريق رفع سقف الطموح عالياً نحو حلم التتويج بكأس العالم.
إنها قصة جيلية ممتعة تختزل تحولاً عميقاً في الوعي الجمعي والواقع التنموي على الأرض قصة تمتد بين زمنٍ كان فيه مجرد وصول القطار مكسباً بحد ذاته ولو تأخر بنصف يوم وزمنٍ يركب فيه شبابنا اليوم قطار “البراق” فائق السرعة
بين مرحلة السفر الشاق عبر حافلات مهترئة وطرق وطنية معذبة بمقاعدها الضيقة وتكدس المسافرين في ممراتها ومرحلة حافلات اليوم العصرية والسفر عبر زمن مريح يختصر المسافات.
هذا التباين الشاسع في المعيش اليومي والوعي هو الرد القاطع على سردية الفساد المطلق وهو الشاهد على راية المملكة وهي تخفق شامخة بين الثمانية الكبار في العالم
هو الموقع الذي يليق بتاريخنا ومستقبلنا وهو ذاته الموقع الذي يمثل مصدر إزعاج حقيقي ومزمن لغيرنا ممن أقضت مضاجعهم هذه الطفرة المغربية الشاملة فلم يجدوا أمام تفوقنا سوى صب أحقادهم..
ولهؤلاء نقول بالصيغة المغربية القحة والدارجة:
( الله يشافي الجميع)
يوسف غريب كاتب صحفي

