أصدرت محكمة النقض مؤخرًا قرارًا قضائيًا يقضي بإحالة ملف النزاع القائم بين ودادية الرحمة السكنية بأكادير والشركة المالكة للعقار على محكمة الاستئناف للبت فيه من جديد، بهيئة مغايرة، مع تأكيدها في تعليل قرارها على سلامة الأسس القانونية التي اعتمدتها محكمة الاستئناف سابقًا، واعتبارها أن عقد الفسخ الذي أدلت به الشركة البائعة للعقار يبقى ملغى وكأنه لم يكن.
وجاء في تعليل محكمة النقض أن عقد الوعد بالبيع المبرم بين الطرفين تضمن التزامات متقابلة، تتمثل في التزام المشتري بأداء باقي الثمن، مقابل التزام البائع بإبرام العقد النهائي داخل أجل ستة أشهر ابتداءً من 8 مارس 2019. وأوضحت المحكمة أن عدم تنفيذ الطرفين لالتزاماتهما داخل الأجل المتفق عليه يُعد، من الناحية القانونية، تنازلًا ضمنيًا ومشتركًا عن هذا الأجل، ولا يمكن اعتبار أحد الطرفين متماطلًا إلا بعد تنفيذ الطرف الآخر لالتزامه وتوجيه إنذار رسمي يبقى دون جدوى.
وأضافت المحكمة أن ملف النازلة خالٍ مما يثبت تنفيذ الطرفين معًا لالتزاماتهما قبل مباشرة كل واحد منهما لدعواه القضائية، وهو ما يجعل الطرفين في وضعية قانونية متكافئة، مبرزة أن محكمة الدرجة الأولى حين قضت بعدم قبول الطلبين الأصلي والمضاد، تكون قد راعت مجمل هذه المعطيات، وجاء حكمها معللًا تعليلًا كافيًا من الناحيتين الواقعية والقانونية.
وتعود فصول هذه القضية إلى اقتناء ودادية الرحمة السكنية لعقار كائن بالحي الصناعي بأكادير من مقاول كان مالكًا له، حيث تم الاتفاق بين الطرفين على مبلغ الشراء وشروطه. وخلال حياة المالك الأصلي، سارت العلاقة التعاقدية بشكل طبيعي، إذ شرعت الودادية في إنجاز مشروعها السكني، حيث تم تشييد عمارة أولى والانطلاق في بناء عمارة ثانية، دون تسجيل أي اعتراض من طرف البائع، مع استمرار الودادية في أداء المستحقات المالية المتفق عليها، وتحملها كذلك لأداء مجموعة من الرسوم ورفع الحجوزات المترتبة على العقار.
غير أنه، وبعد وفاة المالك الأصلي وتسلم ورثته لتسيير الشركة، استمر التعامل بين الطرفين في البداية، حيث تم تشجيع الودادية على مواصلة أداء المصاريف وتسوية الوضعية القانونية للعقار، قبل أن ينشأ نزاع قضائي تم خلاله التشكيك في العقد الرابط بين الطرفين، والإدلاء بعقد فسخ تقول الودادية إنه محل طعن، وتشكل بشأنه شكاية معروضة حاليًا على أنظار قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بأكادير، ولا تزال في طور البحث.
ويُنظر إلى قرار محكمة النقض الأخير باعتباره توجيهًا قانونيًا واضحًا للهيئة القضائية التي ستتولى إعادة النظر في الملف، من أجل الحسم في هذا النزاع الذي طال أمده، والذي يمس بشكل مباشر مصالح أزيد من 150 منخرطًا بالودادية، ممن انخرطوا في المشروع بهدف توفير سكن لائق لهم ولأسرهم، قبل أن يجدوا أنفسهم في مسار قضائي معقد امتد لسنوات.
ويبقى الأمل معقودًا على أن تسهم المرحلة المقبلة من التقاضي في إنهاء هذا الملف في إطار احترام القانون وضمان حقوق جميع الأطراف، بما يكرس مبادئ الأمن التعاقدي وحماية الاستثمار التعاوني السكني.
