هواوي تتحدى قانون مور: خطة صينية جديدة لتقليص فجوة الرقائق أمام الغرب

هواوي تتحدى قانون مور: خطة صينية جديدة لتقليص فجوة الرقائق أمام الغرب

في صناعة الرقائق، لم يعد السؤال الكبير اليوم هو: من يستطيع جعل الترانزستور أصغر فقط؟ بل من يستطيع جعل البيانات تتحرك أسرع، والطاقة تضيع أقل، والنظام كله يعمل بكفاءة أعلى. من هذه الزاوية تحاول هواوي أن تقدم جواباً صينياً على واحدة من أعقد أزمات التكنولوجيا العالمية: كيف يمكن مواصلة سباق الذكاء الاصطناعي عندما تصبح آلات التصنيع المتقدمة والرقائق الغربية خارج المتناول؟

التقرير الذي نشرته رويترز يضع هذه الخطوة داخل صراع أوسع: هواوي، التي تحولت بفعل العقوبات الأمريكية إلى رمز لطموح الصين في الاستقلال التكنولوجي، لم تعد تراهن فقط على ملاحقة قانون مور بالطريقة التقليدية، بل تقترح مساراً جديداً تسميه Tau Scaling Law، أو قانون التوسع عبر الزمن، في محاولة لإعادة تعريف معنى التقدم في أشباه الموصلات.

هواوي تقترح طريقاً جديداً بدل انتظار نهاية قانون مور

يقوم قانون مور، الذي وجّه صناعة الرقائق لعقود، على ملاحظة شهيرة مفادها أن عدد الترانزستورات على الشريحة يتضاعف تقريباً كل فترة زمنية مع استمرار التصغير الهندسي. هذا المسار كان يعني، عملياً، أن الشركات الكبرى تتقدم عبر جعل الترانزستورات أصغر، ما يسمح برفع الأداء وتقليل استهلاك الطاقة في الوقت نفسه.

لكن هذا النموذج أصبح أكثر صعوبة وكلفة، خصوصاً مع العقد المتقدمة مثل 3 نانومتر و2 نانومتر وما بعدها. بالنسبة للصين، تبدو الصعوبة أكبر بسبب القيود الأمريكية والغربية على تصدير بعض معدات تصنيع الرقائق المتقدمة، وعلى رأسها تقنيات الطباعة الضوئية فائقة التطور. لذلك تأتي مبادرة هواوي كرسالة مزدوجة: الصين لا تريد فقط تعويض النقص، بل تريد بناء منطق هندسي مختلف للتقدم.

في خطاب قدمته He Tingbo، رئيسة أعمال أشباه الموصلات في هواوي، خلال مؤتمر IEEE ISCAS 2026 في شنغهاي، طرحت الشركة ما تسميه Tau Scaling Law، وهو مبدأ ينقل التركيز من تقليص الحجم الهندسي وحده إلى تقليص الزمن الذي تحتاجه الإشارات والبيانات للانتقال داخل الشريحة وبين مكوناتها.

ما معنى Tau Scaling Law؟

الفكرة الأساسية في قانون Tau ليست سهلة للقارئ العام، لكنها يمكن تبسيطها كالتالي: بدل أن يكون التقدم مرهوناً فقط بجعل “العناصر” أصغر، تحاول هواوي جعل المسارات أقصر وأكثر كفاءة. في الرقائق الحديثة، لا يكفي أن نضع عدداً أكبر من الترانزستورات؛ فالمشكلة الكبرى تكمن أيضاً في كيفية انتقال الإشارات بينها، وكم من الوقت والطاقة يضيع أثناء هذا الانتقال.

يرمز الحرف اليوناني Tau، أو τ، إلى الزمن أو ثابت الزمن في الأنظمة الكهربائية. وبحسب طرح هواوي، فإن تقليص هذا الزمن على مستويات متعددة، من الجهاز الصغير إلى الدائرة ثم الشريحة ثم النظام الكامل، يمكن أن يمنح أداءً أعلى حتى عندما لا تكون الشركة قادرة على استعمال أحدث أدوات التصنيع الهندسي المتاحة لدى منافسين مثل TSMC.

بعبارة أبسط: هواوي تقول إن طريق المستقبل لا يمر فقط عبر “تصغير” الرقاقة، بل عبر “إعادة ترتيب” الرقاقة والنظام حتى تصل البيانات إلى وجهتها بسرعة أكبر. هذه النقطة مهمة جداً في عصر الذكاء الاصطناعي، لأن مراكز البيانات لا تعاني فقط من نقص المعالجات، بل من اختناقات الذاكرة، والربط بين الشرائح، واستهلاك الطاقة، والحرارة.

LogicFolding.. هندسة تطوي المسارات بدل مطاردة النانومتر

ضمن هذا التصور، تتحدث هواوي عن بنية تحمل اسم LogicFolding. والاسم يوحي بالفكرة: طي أو إعادة ترتيب الدوائر المنطقية بطريقة تقلص المسافات الحرجة التي تقطعها الإشارات. الهدف ليس فقط رفع الكثافة، بل تحسين الأداء عبر تصميم أكثر ذكاءً لمسارات الاتصال داخل الشريحة.

تقدم هواوي هذه البنية باعتبارها إحدى أدوات تنفيذ قانون Tau Scaling. وإذا كان قانون مور اعتمد طويلاً على التوسع الهندسي داخل المساحة نفسها، فإن LogicFolding تسعى إلى الاستفادة من التكامل الرأسي والربط المتقدم بين الشرائح والمكونات. هذا لا يعني أن التصغير لم يعد مهماً، لكنه يعني أن هواوي تريد تخفيف الاعتماد عليه بوصفه الطريق الوحيد.

الرهان هنا أن الأداء النهائي للمستخدم أو لمركز البيانات لا يتحدد بقطر الترانزستور وحده، بل يتحدد بمنظومة كاملة تشمل التصميم، الذاكرة، الربط، التبريد، البرمجيات، وإدارة الطاقة. وكلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر طلباً للحوسبة، زادت أهمية هذه المنظومة.

كثافة تعادل 1.4 نانومتر.. لكن بحذر

وفق المعطيات المتداولة في تقارير رويترز ومصادر تقنية، تطمح هواوي إلى الوصول بحلول عام 2031 إلى كثافة ترانزستورات تعادل تقريباً ما يرتبط بعقدة 1.4 نانومتر. غير أن كلمة “تعادل” هنا مهمة جداً. فالأمر لا يعني بالضرورة أن الصين ستنتج فعلياً شريحة 1.4 نانومتر بالطريقة نفسها التي تعمل بها TSMC أو Samsung، بل يعني أن هواوي تتحدث عن كثافة أو أداء مكافئ اعتماداً على هندسة مختلفة.

لذلك يجب التعامل مع الإعلان كطموح تقني وسياسي في الوقت نفسه، وليس كدليل نهائي على أن الصين تجاوزت كل قيود التصنيع المتقدم. خبراء الصناعة يشيرون عادة إلى أن الرقاقة لا تُقاس فقط بالكثافة النظرية، بل أيضاً بالإنتاجية، الحرارة، الاستقرار، تكلفة التصنيع، ونسبة الشرائح الصالحة تجارياً.

ومع ذلك، فإن مجرد طرح هذا المسار يعكس تحولاً مهماً: هواوي لا تريد أن تُحاكم فقط بمقياس الشركات التي تملك أدوات EUV المتقدمة، بل تحاول بناء معيار بديل يستند إلى التصميم والتكامل النظامي.

لماذا يهم هذا الخبر في سباق الذكاء الاصطناعي؟

الذكاء الاصطناعي اليوم لا يعيش داخل التطبيقات فقط، بل داخل مراكز بيانات ضخمة تحتاج إلى رقائق GPU وNPU وCPU وذاكرات عالية السرعة وشبكات ربط معقدة. الصين، التي تواجه قيوداً على الحصول على بعض رقائق Nvidia الأكثر تقدماً، تبحث عن بدائل محلية قادرة على تشغيل النماذج الكبيرة وخدمات الذكاء الاصطناعي داخل البلاد.

هنا تظهر أهمية هواوي. فشرائح Ascend التابعة لها أصبحت واحدة من أبرز البدائل الصينية لمعالجات Nvidia في بعض سيناريوهات الذكاء الاصطناعي. لكن السوق لا ينتظر هواوي وحدها؛ شركات مثل Alibaba وByteDance وTencent تتحرك أيضاً لتطوير رقائق أو بنى حوسبة تخدم احتياجاتها، ما يعني أن الصين تدخل مرحلة تنافس داخلي على من يقود موجة الحوسبة الجديدة.

إذا نجحت هواوي في تحويل Tau Scaling من خطاب تقني إلى منتجات مستقرة وواسعة الإنتاج، فقد تحصل على أفضلية في سوق داخلي ضخم يريد تقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية. أما إذا بقيت الفكرة محدودة في النماذج والتجارب، فقد تتحول إلى شعار طموح أكثر من كونها ثورة صناعية مكتملة.

العقوبات الأمريكية تدفع الصين إلى الابتكار الجانبي

منذ إدراج هواوي على القوائم الأمريكية وفرض قيود متتالية على الرقائق ومعدات التصنيع، وجدت الشركة نفسها مضطرة إلى إعادة بناء أجزاء كبيرة من سلاسلها التقنية. عودة هواتف Mate المجهزة بشرائح Kirin محلية الصنع كانت لحظة رمزية في هذا المسار، لكنها لم تُنهِ الفجوة مع أفضل المصانع العالمية.

ما يحدث الآن هو انتقال من رد الفعل إلى البحث عن طريق بديل. فعندما تكون أدوات التصنيع المتقدمة محدودة، يصبح التصميم والهندسة المعمارية والبرمجيات والدمج بين الشرائح أكثر أهمية. هذه ليست معادلة سهلة، لكنها معادلة فرضتها الجغرافيا السياسية على الصين.

في المقابل، لا يمكن التقليل من التحديات. فالرقائق المتقدمة تحتاج إلى منظومة كاملة تشمل مواد عالية الجودة، معدات قياس دقيقة، برمجيات تصميم إلكتروني، خبرات تصنيع، وسلاسل توريد مستقرة. أي ضعف في حلقة واحدة يمكن أن يبطئ الانتقال من المختبر إلى السوق.

هل نحن أمام نهاية قانون مور؟

ليس دقيقاً القول إن قانون مور انتهى بالكامل. الشركات الكبرى ما زالت تستثمر في العقد المتقدمة، وTSMC وSamsung وIntel تسابق الزمن نحو 2 نانومتر وما بعده. لكن الصحيح أن قانون مور لم يعد وحده كافياً لتفسير التقدم في الحوسبة. فقد أصبحت المكاسب تأتي أيضاً من التغليف المتقدم، الشرائح المتعددة، الذاكرة عالية النطاق، تحسين البرمجيات، ونظم التبريد والطاقة.

من هنا تبدو مبادرة هواوي جزءاً من اتجاه عالمي أوسع: الجميع يبحث عن “ما بعد مور”، لكن كل طرف يفعل ذلك من زاويته. الغرب يطوّر التغليف المتقدم والشرائح المتخصصة، والصين تحاول أن تجعل القيود حافزاً لبناء نموذج تصميمي بديل، بينما شركات الذكاء الاصطناعي تبحث عن أي طريقة تخفض كلفة التدريب والتشغيل.

الفرق أن هواوي تقدم هذا البحث بلغة تحدٍ جيوسياسي واضحة، لأن كل تقدم في الرقائق داخل الصين يُقرأ مباشرة كرسالة إلى واشنطن، وإلى المنافسين في تايوان وكوريا والولايات المتحدة.

ما الذي يجب مراقبته الآن؟

المرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كان Tau Scaling مجرد مفهوم لافت أم بداية مسار صناعي حقيقي. أهم ما يجب مراقبته هو ظهور منتجات تجارية تعتمد هذه البنية على نطاق واسع، خصوصاً في هواتف Kirin وشرائح Ascend الموجهة للذكاء الاصطناعي، ثم مراقبة أدائها الفعلي مقارنة بالمنافسين.

كما يجب متابعة قدرة هواوي على التحكم في الحرارة واستهلاك الطاقة، لأن تقصير المسارات ورفع الكثافة لا يكفيان وحدهما إذا كانت الشريحة غير مستقرة أو مكلفة أو صعبة الإنتاج. في عالم مراكز البيانات، الأداء لكل واط أصبح معياراً حاسماً بقدر الأداء الخام.

كذلك ستكون المنافسة داخل الصين عاملاً مهماً. فإذا تقدمت Alibaba أو ByteDance أو شركات تصميم أخرى بسرعة، فقد يصبح السوق الصيني أقل اعتماداً على هواوي وحدها، وأكثر تنوعاً في البدائل المحلية.

الخبر أكبر من إعلان تقني

بالنسبة للقارئ غير المتخصص، قد يبدو الحديث عن Tau Scaling وLogicFolding شأناً بعيداً عن الحياة اليومية. لكن الواقع أن هذه التفاصيل تحدد مستقبل الهواتف الذكية، مراكز البيانات، خدمات الذكاء الاصطناعي، السيارات الذكية، وحتى كلفة الخدمات الرقمية التي يستعملها الناس يومياً.

إذا استطاعت الصين تقليص فجوة الرقائق عبر مسارات تصميم جديدة، فقد يتغير توازن القوة في سوق التكنولوجيا العالمي. وإذا فشلت، ستظل شركاتها مضطرة إلى العمل داخل حدود تفرضها القيود الغربية وسلاسل التوريد المعقدة. لذلك لا يتعلق الخبر بهواوي وحدها، بل بسؤال أوسع: من سيملك مفاتيح الحوسبة في العقد المقبل؟

في كل الأحوال، تبدو رسالة هواوي واضحة: حتى إذا أصبح الطريق التقليدي إلى أصغر النانومترات مغلقاً أو مكلفاً، فإن سباق الرقائق لن يتوقف. لكنه قد يغير مساره، من تصغير الترانزستور إلى إعادة هندسة الزمن والمسافة داخل الشريحة.

تطرح هواوي عبر Tau Scaling Law محاولة جريئة للبحث عما بعد قانون مور، في لحظة تضغط فيها العقوبات الأمريكية على طموحات الصين في أشباه الموصلات. الفكرة تقوم على تحسين سرعة انتقال الإشارات والتكامل النظامي بدل الاعتماد الكامل على التصغير الهندسي، مع هدف معلن للوصول إلى كثافة تعادل 1.4 نانومتر بحلول 2031.

لكن النجاح لن يُحسم بالتصريحات، بل بالمنتجات الفعلية، وكفاءة الطاقة، واستقرار التصنيع، وقدرة الرقائق على منافسة Nvidia وTSMC وسلاسل الحوسبة الغربية. إلى ذلك الحين، يبقى إعلان هواوي مؤشراً قوياً على أن معركة الذكاء الاصطناعي لم تعد فقط معركة نماذج وبرمجيات، بل معركة قوانين جديدة للحوسبة نفسها.

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. التعليقات النظيفة تُنشر، والمحتوى المخالف أو الإشهاري يُحال للمراجعة.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي أكادير24

بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله