بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
هناك تاريخ لا يُكتب بالحبر، بل يُنقش في ذاكرة الرجال. وهناك أمجاد لا تحفظها الوثائق وحدها، بل تصونها القيم، وتحرسها المواقف، وتورثها الأجيال كما تُورث الأرض والعقيدة. وتاريخ قبيلة آيت ياسين من هذا الصنف؛ فهو ليس مجرد صفحات من الماضي، ولا حكايات تُروى في المجالس، بل عهد متجدد بين الأجداد والأحفاد، عنوانه الوفاء، وعماده العلم، وروحه الجهاد، وغايته خدمة الدين والوطن والعرش.
إن الأمم العظيمة لا تُقاس بعدد السنين التي مرت عليها، وإنما بقدرتها على حفظ ذاكرتها الجماعية وصون إرثها الحضاري. وقبيلة آيت ياسين، بما راكمته عبر القرون من رصيد علمي وجهادي ووطني، تقدم نموذجًا حيًا لقبيلة جعلت من المعرفة رسالة، ومن الدفاع عن الوطن عقيدة، ومن الوفاء للثوابت المغربية نهجًا راسخًا لا يتغير.
واليوم، ونحن نستحضر هذا التاريخ العريق، فإننا لا نستدعي الماضي للتغني بأمجاده، وإنما لنؤكد أن أمانة الأجداد لا تزال في أعناق الأحفاد، وأن مسؤولية الحفاظ على هذا الإرث، والتعريف به، ونقله إلى الأجيال القادمة، هي واجب لا يقل قداسة عن الواجب الذي حمله الأسلاف حين دافعوا عن الأرض، ونشروا العلم، وصانوا كرامة الإنسان والوطن.
لقد عُرفت قبيلة آيت ياسين، منذ نشأتها، بأنها قبيلة علم قبل أن تكون قبيلة سلاح، وقبيلة بناء قبل أن تكون قبيلة مواجهة. فقد ازدهرت بها المدارس العتيقة، وتخرج من ربوعها علماء أجلاء، وفقهاء وقضاة ومفتون وحفاظ لكتاب الله، حملوا رسالة العلم والإصلاح إلى مختلف جهات المملكة، وأسهموا في نشر المعرفة، وإحياء العلوم الشرعية واللغة العربية، وتربية الأجيال على الوسطية والاعتدال. ولم يكن حضور هؤلاء العلماء محصورًا في مجالهم القبلي، بل امتد إشعاعهم إلى مناطق عديدة من المغرب، فكانوا سفراء للعلم، وحراسًا للهوية الدينية والوطنية.
غير أن العلم في آيت ياسين لم يكن يومًا منفصلًا عن حب الوطن. فقد آمن رجالها بأن الدفاع عن الأرض شرف، وأن حماية البلاد مسؤولية، فكانوا في طليعة من لبّوا نداء الوطن كلما استدعت الظروف ذلك. وتذكر الذاكرة التاريخية للمنطقة أن أبناء القبيلة شاركوا إلى جانب القبائل المغربية المجاهدة في مقاومة الوجود البرتغالي بمنطقة سوس، وكان لهم إسهام في معارك التحرير التي انتهت بطرد المحتل واستعادة السيادة المغربية على ثغور الجنوب.
واستمر هذا النهج عبر العصور، فلم تتأخر القبيلة عن أي واجب وطني، بل ظلت حاضرة في مختلف محطات الدفاع عن حوزة الوطن ووحدته الترابية، مؤمنة بأن الانتماء للمغرب ليس شعارًا، بل تضحية وعمل ووفاء. وما زال أبناء آيت ياسين، إلى اليوم، يجسدون هذا الإرث في مختلف مواقع المسؤولية، مدنيين وعسكريين، علماء وأطرًا وشبابًا، يحملون في قلوبهم حب الوطن، ويستجيبون لندائه كلما دعاهم الواجب.
إن عبارة “أمانة الأجداد في حدق الأحفاد” ليست مجرد كلمات جميلة، بل هي مشروع حضاري متكامل. فالأجداد لم يورثوا أبناءهم الأرض فقط، بل ورثوهم منظومة من القيم: الإيمان، والعلم، والصدق، والشجاعة، والكرم، وصلة الرحم، والتكافل، واحترام الكبير، والغيرة على الوطن، والوفاء للعرش العلوي المجيد.
واليوم، لم يعد السؤال: ماذا قدم الأجداد؟ بل أصبح السؤال الحقيقي: ماذا سيقدم الأحفاد؟
إن مسؤولية الجيل الجديد أكبر من أي وقت مضى. فحماية التاريخ لا تكون بالخطابات وحدها، وإنما بتوثيق الذاكرة، وجمع المخطوطات، وحفظ الأنساب، والعناية بالمآثر، وإحياء المدارس العلمية، وتشجيع البحث الأكاديمي حول تاريخ القبيلة، وتعريف الأبناء برجالاتها من العلماء والمجاهدين، حتى يبقى هذا الإرث حيًا في العقول والقلوب.
كما أن المواسم والملتقيات القبلية ينبغي أن تتحول إلى فضاءات للفكر والمعرفة، تُستعرض فيها صفحات التاريخ، وتُكرم فيها الشخصيات العلمية والوطنية، وتُفتح فيها أبواب الحوار بين الأجيال، حتى يشعر كل شاب من أبناء آيت ياسين أنه امتداد لسلسلة طويلة من الرجال الذين حملوا الرسالة قبله.
إن أبناء القبيلة المنتشرين في مختلف جهات المغرب، بل وفي خارج الوطن، يمثلون اليوم ثروة بشرية حقيقية. فكل نجاح يحققه طبيب، أو أستاذ، أو قاضٍ، أو ضابط، أو مهندس، أو فاعل اقتصادي، أو جمعوي من أبناء آيت ياسين، هو استمرار لذلك الرصيد الحضاري الذي صنعه الأجداد، ودليل على أن القبيلة ما تزال تنجب الرجال الذين يخدمون وطنهم بإخلاص وكفاءة.
إن الأمم التي تنسى جذورها تفقد هويتها، أما الأمم التي تحفظ تاريخها فإنها تصنع مستقبلها بثقة. ومن هنا، فإن تاريخ آيت ياسين ليس ملكًا للماضي، بل هو مسؤولية الحاضر ورهان المستقبل، وأمانة في أعناق كل من ينتمي إلى هذه القبيلة العريقة.
ولعل أعظم وفاء للأجداد أن نكون أوفياء لرسالتهم؛ رسالة العلم والعمل، والوحدة والتضامن، والدفاع عن الوطن، والتشبث بالعرش العلوي المجيد، وأن نغرس هذه القيم في نفوس أبنائنا حتى تبقى مشاعلها متقدة جيلاً بعد جيل.
فآيت ياسين ليست مجرد اسم في سجل القبائل، وإنما مدرسة صنعت العلماء، وأنجبت المجاهدين، وربّت الرجال، وستظل، بإذن الله، منارة للعلم، وقلعة للوطنية، ورمزًا للوفاء، ما دام في أبنائها من يحمل أمانة الأجداد في حدق الأحفاد، ويؤمن بأن خدمة الله، والوطن، والملك، شرفٌ لا يزول، ورسالةٌ تتجدد مع تعاقب الأجيال.



