بين النقد المشروع والفوضى المنظمة والابتزاز… معركة الوعي والثقة

بين النقد المشروع والفوضى المنظمة والابتزاز… معركة الوعي والثقة

في كل الدول، تبقى حرية التعبير ركيزة أساسية لبناء مجتمع ديمقراطي متوازن، غير أن الخط الفاصل بين النقد المسؤول وبين استهداف مؤسسات الدولة يظل دقيقاً وحساساً، خصوصاً عندما تتحول بعض المنصات إلى أدوات للفوضى والابتزاز وصناعة الشك الجماعي.

الأحداث الأخيرة التي تفجرت على خلفية تسريبات ومعطيات مرتبطة بشبكات تنشط تحت غطاء “الفضح” و”المعارضة”، كشفت وجهاً مقلقاً لما كان يُدار في الظل لسنوات. فالقضية لم تعد مجرد فيديوهات مثيرة أو خرجات إعلامية تبحث عن نسب المشاهدة، بل أصبحت مؤشراً خطيراً على وجود أساليب منظمة لاختراق الثقة العامة، واستغلال مؤسسات الدولة في تصفية الحسابات ونشر الفوضى.

الأخطر في كل ما يجري، ليس فقط سقوط بعض الوجوه التي قدمت نفسها لسنوات كحاملة لـ”الحقيقة المطلقة”، بل الطريقة التي بدأت بها هذه الشبكات في التهام بعضها البعض، بمجرد اقتراب لحظة السقوط. فحين تضيق الدائرة، يسقط القناع سريعاً، ويتحول خطاب “النضال” إلى منطق العصابات: الجميع قابل للحرق، وكل العلاقات تصبح أوراقاً للاستعمال المؤقت ثم التخلص منها عند أول تهديد.

لقد تابع الرأي العام كيف خرجت بعض الأطراف في تسجيلات وتصريحات متتالية تحاول الزج بمؤسسات حساسة في صراعات داخلية مزعومة، في محاولة واضحة لضرب مصداقية العدالة والتشكيك في أجهزة الدولة. وهي استراتيجية ليست جديدة، بل تعتمد على خلق البلبلة وإغراق الفضاء العام بالإشاعات والتسريبات الموجهة، حتى يصبح المواطن عاجزاً عن التمييز بين الحقيقة والتضليل.

لكن ما يجب التأكيد عليه اليوم، هو أن قوة الدول لا تُقاس بغياب الأزمات، بل بقدرتها على كشف الاختراقات ومعالجة الأعطاب داخل مؤسساتها وفق القانون. وعندما تتحرك العدالة لمحاسبة المتورطين، مهما كانت مواقعهم أو صفاتهم، فذلك ليس دليلاً على الضعف، بل على أن الدولة تمتلك مناعة مؤسساتية قادرة على التصحيح الذاتي وحماية المصلحة العامة.

لقد حاول البعض بناء “بطولات وهمية” على أنقاض الثقة الوطنية، مستغلين غضب الناس أحياناً، وموجات السخط الاجتماعي أحياناً أخرى، من أجل صناعة نفوذ رقمي قائم على التشهير والابتزاز والتلاعب بالعقول. غير أن الحقيقة التي تتكشف اليوم، تؤكد أن من يعتاش على الفوضى، يسقط دائماً ضحية للفوضى نفسها.

إن الدفاع عن الوطن لا يعني الصمت عن الأخطاء، كما أن حماية المؤسسات لا تعني تقديس الأشخاص. لكن الفرق كبير بين النقد المسؤول الذي يسعى للإصلاح، وبين حملات منظمة هدفها إنهاك الدولة وضرب الثقة في القضاء والأمن والمؤسسات الدستورية.

اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تبدو الحاجة ملحة إلى وعي جماعي يميز بين الصحافة الحقيقية وبين الاستثمار في الفضائح، بين المعارضة الوطنية وبين المتاجرة بالأزمات، وبين حرية التعبير وبين تحويل المنصات الرقمية إلى أدوات للتشهير والتصفية والابتزاز.

فالأوطان لا تُبنى بالصراخ، ولا تُحمى بالفوضى، بل بالوعي، والمسؤولية، والثقة في المؤسسات، والاحتكام إلى القانون.

بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. التعليقات النظيفة تُنشر، والمحتوى المخالف أو الإشهاري يُحال للمراجعة.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي أكادير24

بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله