عن “اللبن” الذي أهدره صيف السياسات: قراءة في انكسارات الصيد البحري ونبوءات “الغيورين”

مجتمع

لم يكن استحضار المثل الشعبي “في الصيف ضيّعتِ اللبن” خلال دورة فبراير 2026 لجامعة غرف الصيد مجرد ترف بلاغي، بل كان تجسيداً لمقارنة مؤلمة بين زمن الوفرة والفرص الضائعة، وبين واقع حالي يطبعه الضيق والقلق.
فاللبن هنا هو الرمز المكثف للمخزون السمكي، ولتلك الثقة المفترضة بين الإدارة والمهنيين، وللهامش الزمني الذي كان يسمح بإصلاحات هادئة قبل أن تهب رياح الأزمات الخانقة.

لقد بُحّت أصوات الغيورين وهم ينبهون مصالح وزارة الفلاحة والصيد البحري إلى ثغرات مخطط “أليوتيس”، لكن الاستجابة كانت غائبة حتى وصلنا إلى مرحلة “لا ينفع فيها الندم”.
إن مراجعة مسار هذا القطاع تكشف أن التحفظات المهنية لم تكن يوماً ضد التحديث أو السلامة، بل كانت اعتراضاً على “نهج التنزيل” الذي افتقد للتدرج والمقاربة التشاركية الحقيقية.

أولى نقاط الخلاف الجوهرية كانت حول احتكار جهة وحيدة لجهاز التتبع (VMS)؛ حيث طالب المهنيون الغيورون بمراقبة شفافة تضمن حقوقهم، بعيداً عن كواليس الصفقات والظروف الغامضة التي مر بها هذا المشروع. وبذات الروح الدستورية، رُفض نظام “الزونينغ” (Zoning)؛ لأن تقسيم المصايد يضرب وحدة المهنيين ويحول الحقوق التاريخية المكرسة وطنياً إلى “امتيازات” قابلة للمنح والمنع، وهو ما يتنافى مع مبدأ أن الثروة السمكية ملك مشاع لجميع المغاربة.

ولم يتوقف النقد عند السياسات الكبرى، بل طال التفاصيل الميدانية التي أربكت المهنيين؛ فعملية فرض الصناديق البلاستيكية شابتها ارتجالية واضحة، حيث غابت الفترات الانتقالية التي تراعي إمكانات التدبير وواقع المراكب. ولقد حذر الشرفاء في القطاع حينها من مخاطر رمي فائض المصطادات في البحر وما يسببه من خلل بيئي، كما نبهوا إلى معضلة ارتفاع نسبة “الهستامين” في ظل غياب العنابر العازلة والتجهيزات الملائمة آنذاك.

ويمكن القول بأن قسوة السياسات تجلت بوضوح في منع صيد سمك “القرب” (Courbine) على مراكب الصيد الساحلي، مما أدى إلى إهدار ثروة وطنية عبر رميها ميتة في البحر، في وقت كان فيه هذا الصنف يمثل “بارقة أمل” للبحار البسيط لتحسين وضعه المعيشي. وبالتوازي مع هذا التضييق على الصيد التقليدي والساحلي، فُتح الباب لتوسع صناعي غير منضبط عبر مراكب “الدمار الشامل” (RSW)، التي استنزفت المخزون وضاعفت الضغط البيولوجي على الموارد بشكل فاق طاقتها على التجدد.

اليوم، ونحن نقف أمام حقيقة استنزاف المورد، يتضح أن الإصلاح الحقيقي لا يكون بالقفز فوق الواقع، بل بالاستماع لأهل الميدان وتحكيم لغة العلم قبل لغة القرار الإداري. ومع ذلك، فإن هذا التشخيص ليس إعلاناً للنهاية، بل هو دعوة لإنقاذ ما تبقى.
فالمخزون السمكي، رغم جراحه، لا يزال قادراً على التعافي إذا ما توفرت إرادة سياسية حقيقية وحكامة رشيدة تُحسن إدارة “النعمة” المتبقية، كي لا يظل مثل “ضياع اللبن” وصمة أبدية على جبين هذه المرحلة.

وفي الختام، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: من المسؤول الحقيقي عن هذه الكارثة التي عصفت بقطاع حيوي كقطاع الصيد البحري؟ وهل ستتحول شعارات “ربط المسؤولية بالمحاسبة” إلى واقع ملموس يخضع له المتورطون، أم سيظل الملف مجرد رقم آخَر ينضاف إلى سجل التجاوزات التي تمر دون عقاب؟ أم أن قطاع الصيد البحري سيظل “الاستثناء” الذي يؤكد قاعدة الإفلات من العقاب؟

التعاليق (0)

اترك تعليقاً