بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
في وقتٍ تسعى فيه دول القارة الإفريقية إلى ترميم ما تصدّع من علاقاتها البينية، وبناء جسور التعاون الاقتصادي والأمني، وإغلاق صفحات الماضي المثقل بالصراعات الإيديولوجية، أعادت تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون حول تدخل الجيش المصري إلى جانب الجزائر خلال حرب الرمال سنة 1963 ضد المغرب فتح ملف تاريخي شديد الحساسية في الفضاء المغاربي. وقد ازداد الجدل بعد ترحيب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتلك التصريحات، في إشارة إلى “التاريخ المشترك من النضال والتضامن”، وهو ما اعتبرته أطراف مغربية تجاوزًا دبلوماسيًا غير محسوب.
هذا التطور يطرح أكثر من سؤال: لماذا يُستدعى هذا الملف الآن؟ وما هي دلالاته السياسية والإقليمية؟ وهل تخدم إعادة التذكير بصراعات الماضي استقرار المنطقة أم تعمّق فجواتها؟
- ذاكرة حرب الرمال: التاريخ كأداة سياسية
اندلعت حرب الرمال في أكتوبر 1963 بين المغرب والجزائر على خلفية خلافات حدودية أعقبت استقلال الجزائر. ورغم قصر مدتها نسبيًا، فقد تركت أثرًا عميقًا في الوعي السياسي للبلدين، وأرست مسارًا من التوتر ظلّ يتجدد بأشكال مختلفة عبر العقود.
إعادة استحضار هذا الحدث بعد أكثر من ستين عامًا لا يمكن فصلها عن السياق السياسي الراهن. فالتاريخ في المنطقة المغاربية ليس مجرد مادة أكاديمية، بل أداة تُستخدم أحيانًا لإعادة تشكيل السرديات الوطنية وتعزيز الشرعية الداخلية أو توجيه رسائل إقليمية.
تصريحات الرئيس الجزائري، وما تبعها من تفاعل مصري إيجابي، يمكن قراءتها من زاويتين:
- زاوية داخلية: تعزيز سردية التضامن التاريخي وتثبيت خطاب سياسي يستحضر الذاكرة الوطنية.
- زاوية خارجية: توجيه رسائل سياسية في ظل استمرار التوتر بين الرباط والجزائر، خاصة بعد قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين سنة 2021.
- مصر بين التاريخ والجغرافيا السياسية
موقف القاهرة المرحّب بتصريحات تبون أثار نقاشًا واسعًا في الأوساط المغاربية، بالنظر إلى علاقات مصر التقليدية المتوازنة مع المغرب. فمصر، بحكم ثقلها العربي والإفريقي، تحرص عادة على تجنب الانخراط المباشر في الخلافات الثنائية داخل الفضاء المغاربي.
غير أن تأكيد “التاريخ المشترك” مع الجزائر، وإن كان في سياق تضامني تاريخي، فُهم لدى بعض المتابعين كإشارة قد تُقرأ باعتبارها اصطفافًا غير مقصود في نزاع لا تزال آثاره السياسية قائمة. وفي منطقة تتسم بحساسية مفرطة تجاه الرموز التاريخية، فإن دقة العبارات تصبح جزءًا من معادلة التوازن الإقليمي.
- هاجس المغرب في الخطاب الرسمي الجزائري
يرى عدد من المتابعين أن حضور المغرب في الخطاب السياسي الصادر عن قصر المرادية خلال السنوات الأخيرة بات متكررًا، سواء عبر تصريحات مباشرة أو عبر استدعاء ملفات تاريخية مرتبطة بالخلافات الثنائية. ويذهب هؤلاء إلى أن هذا التركيز يمنح الانطباع بأن العلاقة مع الرباط تشكل محورًا ثابتًا في السجال السياسي الجزائري.
في المقابل، يبرز المغرب، وفق أنصاره، مسارًا مغايرًا يقوم على توسيع شبكة شراكاته الاقتصادية، خصوصًا داخل القارة الإفريقية، وتعزيز حضوره الاستثماري جنوب الصحراء، والمضي قدمًا في مشاريع استراتيجية في مجالات البنية التحتية والطاقة والصناعة. ويعزو كثيرون هذا المسار إلى رؤية ملكية بعيدة المدى ركزت على الاستقرار الداخلي والانفتاح الخارجي، مع اعتماد مقاربة تدريجية في إدارة الملفات الإقليمية.
وبينما ينشغل بعض الفاعلين الإقليميين بإعادة إنتاج سجالات الماضي، يؤكد المدافعون عن التجربة المغربية أن الرباط اختارت منطق “التقدم الهادئ” بدل الردود الخطابية، معتبرين أن السباق الحقيقي في المنطقة ليس سباق بيانات وتصريحات، بل سباق تنمية وتموقع استراتيجي. فالدول التي توجه طاقتها نحو البناء الاقتصادي وتعزيز صورتها الدولية غالبًا ما تكسب الوقت، بينما تستهلك السجالات السياسية فرصًا ثمينة للتكامل الإقليمي.
- بين خطاب الوحدة وواقع الانقسام
المفارقة أن هذا الجدل يأتي في وقت تتكاثر فيه الدعوات الإفريقية إلى التكامل الاقتصادي، وتعزيز الأمن الجماعي، ومواجهة تحديات مشتركة مثل الإرهاب والهجرة غير النظامية والتغير المناخي. كما أن منطقة الساحل تعيش وضعًا أمنيًا هشًا يتطلب تنسيقًا إقليميًا لا مزيدًا من الاستقطاب.
إعادة إنتاج خطاب المواجهة التاريخية، حتى لو في إطار تذكير عابر، قد تُضعف فرص بناء مناخ ثقة ضروري لأي مشروع مغاربي مشترك. فالذاكرة حين تُستخدم دون حساسية دبلوماسية، قد تتحول من عنصر توثيق إلى أداة تعبئة سياسية تزيد من حدة الانقسام.
- خاتمة بين الأمس والغد
إن استدعاء حرب الرمال في الخطاب السياسي المعاصر يكشف هشاشة البناء المغاربي أكثر مما يعكس قوة سردياته الوطنية. وبينما تتطلع شعوب إفريقيا إلى مستقبل يقوم على التعاون والتكامل، تبقى المنطقة المغاربية أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في استحضار لحظات الصدام، أو الانتقال إلى منطق براغماتي يضع التنمية فوق الخصومة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: من كان على حق في 1963؟
بل: من يملك شجاعة تجاوز 1963 من أجل 2026 وما بعدها؟

