في سياق يتسم بحساسية بالغة، ويتداخل فيه القانوني بالمؤسساتي، والحقوقي بالسياسي، جاءت الوقفة الوطنية للمحامين أمام البرلمان، وما رافقها من بلاغ صادر عن مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب وكلمة لرئيسها، لتعلن بوضوح أن الجسم المهني دخل مرحلة جديدة من معركته النضالية، تتسم بالوعي بخطورة اللحظة واستحضار دقيق لرهاناتها، وقطع مع أي قراءة تبسيطية تختزل الموضوع في خلاف تقني أو مطالب فئوية معزولة.
فمنذ بداية هذا المسار، لم تقدم المحاماة المغربية نفسها كطرف يناهض الإصلاح أو يقف ضد تحديث المنظومة القانونية، بل على العكس، ظلت تؤكد – قولا وممارسة – انخراطها المبدئي والمسؤول في كل ورش إصلاحي جاد يهدف إلى تقوية العدالة وضمان نجاعتها. غير أن ما فجر هذا الاحتقان، وأخرج المحامين إلى الشارع في وقفة اتخذت شعارـ“وقفة الصمود”، هو الإحساس الجماعي بأن هناك مسارا تشريعيا يفرض باسم الإصلاح، لكنه في جوهره يمس اختيارات دستورية كبرى، ويعيد تشكيل موقع مهنة الدفاع خارج منطق التوازن الذي قامت عليه منظومة العدالة.
البلاغ الصادر عن مكتب الجمعية، في لغته ومضامينه، لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا السياق العام. فهو لا يكتفي بتسجيل موقف رافض، بل يؤسسه على مرتكزات واضحة قوامها: غياب المقاربة التشاركية، و تجاهل طبيعة مهنة المحاماة كرسالة حقوقية لا كوظيفة إدارية، والمس باستقلالية الدفاع بما تحمله من حمولة دستورية ورمزية. ومن اللافت أيضا أن الخطاب يشدد على التمييز بين الدولة كمؤسسات واستراتيجيات وطنية، وبين اختيارات تشريعية ظرفية تتحمل الحكومة مسؤوليتها السياسية والدستورية.
هذا وقد تكاملت كلمة رئيس الجمعية، مع هذا البناء التحليلي ببعده الرمزي والأخلاقي، وأضفى على المعركة النضالية عمقها التاريخي والإنساني. فاستحضار التضامن مع ضحايا الفيضانات في مستهل الكلمة، لم تكن التفاتة عرضية، بل رسالة واضحة مفادها أن المحاماة ليست منعزلة عن هموم المجتمع، وأن دفاعها عن استقلالها مرتبط عضوياً بدفاعها عن كرامة المواطن وحقه في عدالة منصفة. كما أن العودة إلى تاريخ المهنة، وإلى محطات صمودها منذ بدايات القرن الماضي، يعيد وضع المعركة الحالية في سياقها الطبيعي: المتسم بالـدفاع المستمر عن الحرية وسيادة القانون، لا عن امتيازات مهنية.
ومن خلال قراءة متقاطعة للبلاغ والكلمة، يتبين أن جوهر الخلاف لا يكمن في مواد بعينها أو صياغات تقنية قابلة للتعديل، بل في فلسفة تشريعية تفرغ الإصلاح من مضمونه التشاركي، وتختزل العدالة في بعدها الإجرائي، وتتعامل مع الدفاع كعنصر ثانوي يمكن تطويعه أو تحجيمه باسم النجاعة أو السرعة. وهو ما تحذر منه الجمعية بوضوح، معتبرة أن أي إضعاف للدفاع هو في العمق إضعاف للعدالة ذاتها، ومراهنة خاسرة على نقل المجتمع من منطق القانون إلى منطق التغول التشريعي .
و لم تكتفي الجمعية بنقذ المنهجية التشريعية المتبعة من طرف وزارة العدل بشأن قانون المهنة ،و. إنما قدمت خطابا قويا لا يكتفي برفض مشروع القانون، بل يطرح بديلا واضح المعالم: و هو إصلاح حقيقي يبنى في إطار تشاركي، يستند إلى روح الدستور ، و ينسجم مع المعايير الدولية المحددة للمبادئ الكونية لمهنة المحاماة، ويستحضر التجارب المقارنة التي جعلت من المحاماة ركيزة للاستقرار القضائي والمؤسساتي. ومن هنا، فإن الدعوة إلى سحب المشروع بصيغته الحالية لا تقدم كتراجع، بل كخطوة مسؤولة لإعادة بناء نص متوازن، يحترم استقلال المهنة ويقوي أدوارها في خدمة العدالة والمواطن.
في النهاية، لا يمكن فهم هذه المعركة النضالية خارج سؤال أكبر: أي عدالة نريد؟ وأي دولة قانون نسعى إلى ترسيخها؟ فالمحامون، من خلال هذه الوقفة وما رافقها من مواقف مؤطرة ومعللة، لا يدافعون فقط عن مهنتهم، بل عن تصور للعدالة باعتبارها ضمانة للحقوق والحريات، وعن خيار مجتمعي يضع الإنسان في صلب المنظومة القانونية. وهي رسالة تتجاوز أسوار البرلمان وساحات الاحتجاج، لتخاطب الرأي العام وتضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية في لحظة فارقة من مسار العدالة بالمغرب.
الاستاذ خالد الغريص محام بهيئة المحامين بأكادير كلميم و العيون


التعاليق (0)