ضحايا الفيضانات بين الإنقاذ والقمع والاعتقال

أخبار وطنية

بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

( قراءة تحليلية في تعامل المغرب والجزائر مع الكوارث الطبيعية )

تشكل الفيضانات، باعتبارها من أخطر الكوارث الطبيعية المفاجئة، اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على التدبير، لكنها في العمق أكثر من مجرد حدث مناخي؛ إنها مرآة تعكس طبيعة العلاقة بين السلطة والمواطن. ففي لحظات الخطر، تسقط الشعارات والخطابات الرسمية، ويبرز السلوك الفعلي للمؤسسات على الأرض. ومن هذا المنطلق، تطرح المقارنة بين تعامل المغرب والجزائر مع الفيضانات أسئلة سياسية عميقة تتجاوز حدود الظاهرة الطبيعية.

  • الكارثة كاختبار للحكامة

لا يمكن اختزال الفيضانات في منسوب التساقطات أو التغيرات المناخية فقط، بل ينبغي قراءتها باعتبارها اختبارًا شاملًا لمنظومة الحكامة: سرعة اتخاذ القرار، فعالية التنسيق بين المتدخلين، طبيعة التدخل الميداني، ثم أسلوب التواصل مع المواطنين المتضررين.
وفي هذا السياق، يبرز اختلاف واضح بين المقاربتين المغربية والجزائرية، ليس فقط على مستوى الوسائل والإمكانيات، بل أساسًا على مستوى العقلية السياسية التي تُدار بها الأزمة.

  • المغرب: إنقاذ الأرواح قبل كل شيء

يعتمد المغرب في تدبير الفيضانات على مقاربة متعددة المستويات، تبدأ بآليات الإنذار المبكر، وتستمر بالتعبئة الميدانية لمختلف المتدخلين: السلطات المحلية، الوقاية المدنية، الدرك الملكي، وأحيانًا القوات المسلحة الملكية عند الضرورة.
ويُظهر التحليل الميداني أن التدخل المغربي يرتكز على:

  • اعتبار حماية الأرواح أولوية قصوى
  • إجلاء السكان من المناطق المهددة
  • توفير وسائل نقل استثنائية لعبور المناطق المعزولة
  • فتح مراكز للإيواء وتقديم الغذاء والمساعدات
  • تعامل هادئ نسبيًا مع المواطنين في وضعية هشاشة
    ورغم استمرار اختلالات مرتبطة بالبنية التحتية أو ضعف التجهيز في بعض المناطق القروية، فإن منطق التدخل يظل منطق احتواء وتضامن لا صدام، يقوم على اعتبار المواطن ضحية كارثة لا مصدر تهديد للنظام العام.
  • الجزائر: حين تتحول الكارثة إلى ملف أمني

في المقابل، تكشف تجارب الفيضانات في الجزائر عن هيمنة واضحة للمقاربة الأمنية في تدبير الكوارث. فبدل أن تتصدر أدوات الحماية المدنية، التواصل، والإنقاذ، يطغى منطق الضبط والسيطرة، ما يؤدي إلى احتكاك مباشر مع المواطنين المتضررين.
ويُظهر تحليل هذا السلوك:

  • مركزية مفرطة في القرار وتأخر الاستجابة المحلية
  • ضعف أو غياب التواصل الرسمي في اللحظات الحرجة
  • تعامل أمني مع تجمعات المواطنين المتضررين
  • غياب خطاب الطمأنة والاحتواء
    هذا النهج يعكس تصورًا للكارثة باعتبارها تهديدًا للاستقرار أكثر من كونها مأساة إنسانية، وهو ما يفسر اللجوء إلى أدوات الردع بدل أدوات الدعم.
  • من الفيضان إلى الهراوة: واقعة غليزان نموذجًا

وتبلغ هذه العقلية ذروتها في حادثة اعتقال الشاب الذي وثّق بالفيديو مشاهد قمع ضحايا الفيضانات في بلدية غليزان. فبدل فتح تحقيق في أسباب الكارثة، أو محاسبة المسؤولين عن التقصير، جرى التعامل مع الكاميرا باعتبارها الخطر الحقيقي.
إن اعتقال من يوثّق معاناة الضحايا لا يكشف فقط عن تضييق على حرية التعبير، بل يفضح واقع البلديات الجزائرية التي ما تزال تُدار بعقلية تنتمي إلى القرون الوسطى سياسيًا؛ حيث يُقمع الشاهد، وتُحمى المنظومة، ويُجرَّم نقل الحقيقة بدل معالجة أسباب المأساة.
في هذا السياق، لم تعد الهراوة مجرد أداة أمنية، بل أصبحت لغة الدولة في مواجهة الألم الاجتماعي.

  • اختلاف الفلسفة السياسية لا الإمكانيات

الفرق الجوهري بين التجربتين المغربية والجزائرية لا يكمن في حجم الموارد ولا في القدرات التقنية، بل في فلسفة الحكم وطبيعة العلاقة مع المواطن.
في المغرب، يظهر أن الدولة تنطلق من مبدأ أساسي مفاده أن سلامة المواطن أولوية مطلقة، وأن الإنسان يظل أغلى من كل اعتبار إداري أو أمني. ففي لحظات الأزمات، تسعى المؤسسات إلى أن تكون في خدمة المواطن، وأن تحافظ على حياته وكرامته، باعتباره جوهر السياسات العمومية وهدفها الأول.
أما في الجزائر، فما تزال الدولة تتعامل مع المواطن بعين الريبة، حتى في أكثر اللحظات إنسانية، وهو ما يعكس إرثًا سياسيًا طويلًا يقوم على تغليب منطق الأمن والضبط على منطق الثقة، وعلى السيطرة بدل الشراكة، حتى عندما يتعلق الأمر بضحايا كوارث طبيعية.

  • الإعلام بين التهدئة وتعميق الأزمة

يلعب الإعلام دورًا محوريًا في إدارة الكوارث. ففي المغرب، تُنقل صور التدخل والإنقاذ مع ترك هامش للنقد والمتابعة.
في المقابل، غالبًا ما يتأخر الإعلام الرسمي في الجزائر أو ينخرط في خطاب تبريري وإنكاري، ما يفتح المجال أمام الإشاعات، ويعمّق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات، ويحوّل الكارثة الطبيعية إلى أزمة سياسية مفتوحة.

  • خلاصة

الفيضانات لا تفرّق بين الدول، لكن طريقة التعامل معها تفرّق بين أنماط الحكم.
دولة تختار القرب من المواطن، وأخرى تختار التحكم فيه.
دولة تواجه غضب الطبيعة بالتضامن، وأخرى تواجهه بالقبضة والهراوات.
وفي النهاية، الكارثة الطبيعية لا تصنع الأزمة وحدها، بل طريقة إدارتها. وعندما تُواجَه الفيضانات بعقلية أمنية، تتحول المأساة الإنسانية إلى فضيحة سياسية.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً