تندوف تحت سلطة القمع: الجزائر وصناعة الاغتيال لإسكات الأصوات الداعمة للحل السياسي

خارج الحدود

بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

لم تعد مخيمات تندوف مجرد فضاء إنساني معزول عن التغطية الإعلامية، بل تحولت، وفق شهادات متطابقة ومعطيات متراكمة، إلى منطقة قمع سياسي مغلقة، تُدار فيها الحياة والموت بمنطق أمني صارم، ويُقضى فيها على الأصوات المخالفة عبر التخويف، ثم التصفية، ففرض الصمت.
في هذا السياق، أثارت قضية الشاب الرحماني أحمد ولد التومي موجة استنكار واسعة، بعدما توفي في ظروف غامضة داخل ما يسمى بـ“ولاية السمارة” بمخيمات تندوف. ويتعلق الأمر بالشخص نفسه الذي كان قد عبّر، في وقت سابق، عن دعمه الصريح لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ودعا، عبر تسجيلات صوتية متداولة، قيادة جبهة البوليساريو إلى التعاطي مع هذا المقترح باعتباره حلًا سياسيًا واقعيًا، كما أعلن رغبته الواضحة في العودة إلى المغرب.
وقبل الإعلان عن وفاته الأخيرة، كان الرحماني أحمد قد تعرّض لاعتداء انتهى بتصفيته داخل كشك بالمخيمات، ثم جرى دفنه في ظروف مثيرة للريبة. وقد أكد غاسل الجثمان حينها وجود كسور واضحة على مستوى الجسد، ما دفع عائلته إلى المطالبة بتشريح مستقل للجثة، في مطلب قانوني وحقوقي مشروع، قوبل بالصمت والتجاهل، دون فتح أي تحقيق جدي أو تقديم توضيحات رسمية ذات مصداقية.
ولا تُعدّ هذه القضية معزولة، بل تندرج ضمن سلسلة من حوادث الاغتيال والتصفية التي طالت، خلال السنوات الأخيرة، عدداً من المدنيين داخل المخيمات، خصوصًا أولئك الذين عبّروا عن مواقف داعمة للحل السياسي، أو أبدوا رغبتهم في مغادرة المخيمات والعودة إلى المغرب. ومع كل بروز لصوت معارض أو داعم للتسوية السياسية، يتصاعد التشدد الأمني، في نمط يكشف عن سياسة ممنهجة لإسكات الرأي المختلف.
وقد تزايد هذا المنحى القمعي بشكل لافت منذ القرار الأممي رقم 9727، حيث شُدد الخناق على حرية التعبير داخل المخيمات، وتم التعامل مع أي موقف خارج الخطاب الرسمي للبوليساريو باعتباره “خيانة” تستوجب العقاب.
في هذا الإطار، يبرز سؤال جوهري حول الجهة الحقيقية التي تمسك بزمام القرار داخل تندوف. فالمؤشرات الميدانية والسياسية تؤكد أن البوليساريو لم تعد سوى واجهة تنظيمية، بينما تتحكم الجزائر فعليًا في القرار الأمني والسياسي، بصفتها صانعة الجبهة، وحاضنتها، والمسؤولة عن إدارة المخيمات ومنع أي رقابة دولية مستقلة عليها.
ومن هذا المنظور، ترى الجزائر في أي حل سياسي واقعي تهديدًا مباشرًا لحساباتها الإقليمية، وتسعى إلى إفشاله عبر الوكيل، وهو ما يجعل كل صوت داعم للحكم الذاتي، أو منادٍ بالعودة، عقبة يجب إزالتها. وهكذا تتحول المخيمات إلى فضاء تُجرَّم فيه حرية التعبير، ويُعاقَب فيه الرأي بالقتل خارج نطاق القانون، في خرق صارخ للمواثيق الدولية التي تُحمّل الدولة المضيفة المسؤولية الكاملة عن حماية المدنيين وضمان حقوقهم الأساسية.
إن استمرار هذه الانتهاكات يضع الجزائر أمام مسؤولية سياسية وقانونية مباشرة، كما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: إما التحرك العاجل لفتح تحقيقات مستقلة وضمان الحق في الحياة والحقيقة، أو القبول الضمني باستمرار منطقة تُدار بالعنف، ويُدفن فيها الحل السياسي مع أصحابه.
ما يجري في تندوف ليس مجرد خلاف في وجهات النظر، بل جريمة مستمرة ضد الإنسان وحقه في الاختيار، تُمارَس تحت غطاء سياسي، وتُدار بقرار سيادي، وتستهدف كل من يجرؤ على القول إن للحل السياسي طريقًا غير طريق السلاح والصمت.

ميثاق 11 يناير للشباب – CHABAB UP
وقّع على ميثاق 11 يناير للشباب عبر منصة CHABAB UP
وقّع الآن

التعاليق (0)

اترك تعليقاً