بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
أعاد التدخل العسكري الجزائري في حادثة الاشتباكات التي وقعت داخل الأراضي الموريتانية هذا الأسبوع بين منقّبين موريتانيين وعناصر من جبهة البوليساريو طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة هذا التدخل، وحدوده، ودوافعه الحقيقية. فبدل أن يسهم في تهدئة الوضع أو حماية المدنيين، جاء هذا التدخل ليؤجج التوتر، ويحوّل حادثًا محدودًا إلى أزمة إقليمية مفتوحة على احتمالات خطيرة.
- ما علاقة الجزائر بالحادث؟
يثير فرض حصار من قبل الجيش الجزائري على منقّبين موريتانيين داخل التراب الوطني لموريتانيا تساؤلًا مشروعًا: بأي صفة تتدخل الجزائر؟ وهل هي قوة لحفظ السلام؟ أم طرف مباشر في معادلة النزاع؟
الواقع أن الجزائر ليست مخوّلة قانونيًا ولا سياسيًا للتدخل داخل أراضي دولة ذات سيادة، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمدنيين عزل يمارسون نشاطًا اقتصاديًا تقليديًا. هذا السلوك يتجاوز منطق “الوقاية الأمنية” ليقترب من فرض الأمر الواقع، في سابقة خطيرة تمس بمبدأ احترام الحدود والسيادة الوطنية.
- البوليساريو: من نزاع سياسي إلى تهديد أمني
الأخطر في هذه التطورات هو الدور المتنامي لعناصر جبهة البوليساريو، التي لم تعد أنشطتها محصورة في إطار نزاع سياسي، بل باتت تشكل عامل تهديد مباشر للأمن والاستقرار في منطقة الساحل.
فبعد أن نجح المغرب في تحصين أراضيه وتأمين حدوده الجنوبية، وجدت هذه المجموعات نفسها أمام واقع جديد حدّ من قدرتها على التحرك، ما دفعها إلى التمدد جنوبًا نحو الأراضي الموريتانية الشقيقة، مستغلة هشاشة المناطق الحدودية واتساعها.
هذا التحول لا يمكن اعتباره عفويًا، بل يعكس فراغًا أمنيًا نسبيًا يتم استغلاله من قبل مجموعات مسلحة غير نظامية، بعضها يحمل السلاح، وبعضها الآخر يرتبط بشبكات تهريب وتنقيب غير مشروع، في منطقة تعاني أصلًا من ضغط الجماعات المتطرفة والجريمة المنظمة.
- الجزائر والبوليساريو: علاقة تتجاوز الدعم السياسي
إن التدخل الجزائري في هذه الحادثة لا يمكن فصله عن العلاقة المعروفة التي تربط الجزائر بجبهة البوليساريو. فبدل العمل على كبح تحركات هذه العناصر ومنع احتكاكها بالمدنيين في دول الجوار، جاء التدخل الجزائري ليمنحها غطاءً غير مباشر، ويحوّلها من طرف مسبب للأزمة إلى عنصر محمي، بينما يُترك المدنيون الموريتانيون في مواجهة الحصار والتهديد.
هذا السلوك يضع الجزائر أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية، إذ لا يمكن الجمع بين ادعاء دعم الاستقرار الإقليمي، والمشاركة في خطوات تؤدي عمليًا إلى زعزعته.
- تهديد مباشر لأمن الساحل
إن ما جرى لا يخص موريتانيا وحدها، بل يمس مجمل أمن منطقة الساحل، التي أصبحت واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة. فانتشار السلاح، وتداخل الجماعات المسلحة، وغياب التنسيق الإقليمي الحقيقي، كلها عوامل تجعل من أي تصعيد غير محسوب شرارة لأزمات أوسع.
- خلاصة
يكشف هذا الحادث أن التدخل الجزائري لم يكن عامل تهدئة، بل عنصر تصعيد، وأن استمرار غض الطرف عن تحركات مرتزقة البوليساريو خارج أي إطار قانوني يشكل تهديدًا حقيقيًا لدول الجوار.
إن حماية الاستقرار في الساحل لا تكون بفرض الحصار على المدنيين، ولا بتوسيع نفوذ جماعات مسلحة، بل باحترام سيادة الدول، وضبط الحلفاء، وتحمل المسؤولية الإقليمية بعيدًا عن حسابات النفوذ.


التعاليق (0)