عرف الأمازيغ بحبهم وارتباطهم بالأرض وبالتقاليد المتوارثة، ولذا جاءت أساطيرهم وحكاياتهم مفسرة للظواهر الطبيعية ومرتبطة بالخلق ونشأة الكائنات والكون من الأرض والهواء والسماء والمطر والطير والحيوان.. كما جاءت غنية بالاستعارات والكنايات والصور المجازية مفسرة لرؤيتهم الكوسمولوجية وتصوراتهم ونظرتهم للنظام الاجتماعي والكوني (أسطورة حمو اونامير نموذجا ). أما الاحتفال برأس السنة الأمازيغية فهو نظام زمني ورمز ثقافي يرمز لخصوبة الأرض في الثقافة الأمازيغية وفيه تقام حفلة أو طقوس احتفالية تقدم فيه أكلات خاصة (تاكلا – بركوكس- سكسو …) ويتناوله كل أفراد الجماعة أو أفراد العائلة بشكل جماعي لتعزيز وتجديد التماسك الاجتماعي والخضوع للميثاق الاجتماعي وتكون أكلة “ءيض يناير” من نتاج ما جادت به الأرض للإنسان شعيرا كان أو ذرة وهي أكلة أو طعام طقوسي يحمل دلالة ورمزا ثقافيا يتقاسمه كل الأفراد من العائلة الى العشيرة الى القبيلة تثبيتا بالانتماء الى هوية انسانية وثقافية (الأمازيغ).
أورد اميل لا ووست Laoust E- المعروف ببحوثه الاتنوغرافية مجموعة من الروايات الشفوية والأساطير القديمة التي تحيل الى طقوس الحياة الزراعية عند الأمازيغ وعند كل الشعوب القديمة معتبرا اياها طقوسا ورموزا ثقافية دالة على خصوبة الأرض وتجدد الحياة والبعث، وتقوم هذه الطقوس على خلفية ميثولوجية ورؤية كونية خاصة ونظام علاقة الانسان بالأرض وبالطبيعة. وهذه الروايات الشفوية والأساطير القديمة ما هي الا رواسب من التصورات الأمازيغية القديمة عن الحياة والموت والبعث والتجدد وبعضها لا يزال قائما ومستمرا يمكن أن يستنبط مما يقبع في سلوكياتنا وطقوسنا وعاداتنا واحتفالاتنا ويختبئ في لا وعينا الجماعي وحتى حين تنمحي أو تنسى فانه يمكن أن نتلمس بصماتها في عوائدنا وتقاليدنا الاجتماعية في الزواج وفي التربية وفي الاحتفال بالأعياد أو برأس السنة الامازيغية وفي الغناء والرقص كما يمكن رصد الكثير من هذه التصورات القديمة في اللغة والكتابة الأمازيغيتين.
وحتى أنه اذا فقدت هذه الطقوس الاحتفالية الأمازيغية الكثير من عناصرها أو تعرضت للتحوير والتغيير لأسباب كثيرة فان طقوس الاحتفال والزواج ما تزال تقاوم الاندثار وهي تتميز بالتنوع والكثافة رغم بداية انحسارها في العصور الأخيرة ويصعب تفسيرها وفهمها دون الاستناد الى الميثولوجيا لأن الطقوس الاجتماعية في بعض الأحيان ليست الا احياء للميثولوجيا واحتفالا بأحداثه الأسطورية والطقس الاجتماعي انما يعيد تأكيد الميثولوجيا كما يرى كوسدورف Gusdorf بل ان الطقس الاجتماعي هو الميثولوجيا في اطار الحركة كما يرى فن دير لاي Van Der Lew.
ان الاحتفال برأس السنة الأمازيغية هو عادة مشهورة في كل بلدان شمال افريقيا ويحتفل به كرمز ثقافي دال على الانتماء الى عالم ثقافي خاص والى هوية انسانية وتختلف طقوس الاحتفال بين منطقة واخرى، ففي شمال المغرب يحتفل به تحت اسم (شوميخا) وفي الجنوب باسم (ءوركيمن) وفي مناطق أخرى يعرف ب(الحكوزة) أو (حيدوزة) أو (ءيض يناير ) … لكن معظم ساكنة البوادي وبعض المدن المغربية وفي منطقة سوس خاصة يسمون ليلة رأس السنة الأمازيغية التي يحتفل بها ليلة 12 يناير من كل عام باسم (ءيض يناير ) وتحتفل به ساكنة هذه المناطق وفق طقوس متوارثة، ففي عدد من قرى وبوادي سوس يقوم الأهل بتحضير ما يسمى (ءوركيمن) وهو عبارة عن سبعة أنواع من القطاني تطهى على موقد الحطب لمدة أربعة وعشرون ساعة ويتجنب الناس في هذا اليوم الاحتفالي القيام بأي عمل سوى جلب الماء والحطب لتحضير أكلة رأس السنة (تاكلا ن- يناير) أو (بركوكس) أو (سكسو) لكن (تاكلا يناير) هي الأكلة المفضلة في هذا اليوم وهي عبارة عن طحين يخلط ويفتل بالماء ويمزج بزيت أركان أو العسل.
ومن التقاليد القديمة في بعض بوادي الجنوب أن تقوم الفتيات والنساء في اليوم الأول من السنة الأمازيغية بحمل قليل من (بركوكس) أو (تاكلا) أو (سكسو) غير مملح ثم يحملنه الى مكان معلوم خارج القرية وينصرفن دون أن يصدر منهن أي كلام أو حديث ويسمى ذلك الفعل (أصيفض) أي اعطاء كائن (الجن) نصيبه من الطعام قبل أن يضاف له الملح ليقدم للضيوف.
في اليوم الموالي تقوم النساء والفتيات بما يسمى (ءازكزيو ؤوسكاس) أي تحضير أكلة السنة حيث تجتمعن لوحدهن ويذهبن الى الحقول الزراعية ويحملن على ضهورهن سلات (ءازكيون) ثم يجمعن مختلف الأعشاب من (ءاكلاس) الذي هو من ربيع الشعير أو (تيفراضين) -عسف النخيل- والمراد من هذه العملية هو افتتاح العام الجديد بلون أخضر لون الخصوبة بعد تجدد الطبيعة. وفي ختام نفس اليوم يقوم الناس الذين حضّروا (ءوركيمن) بتوزيع هذه الأكلة على الذين لم يتمكنوا من تحضيرها.
هذه الأكلات الموسمية (تاكلا – ن- يناير…) هي رمز للطبخ الأمازيغي وهي رمز ثقافي وتشكل أحد الانتاجات المطبخية الأكثر تداولا وانتشارا في البيوت الأمازيغية وهي منتوج نباتي من زراعة الانسان أما تناوله فيكون جماعيا وعن ذلك يقول أهل حاحا :
سكسو ءور ءيكا سكسو ءيغ فلاس ءور مون ميدن
(الكسكس ليس بكسكس اذا لم يجتمع على أكله الناس)
والاجتماع حوله ليس مقصودا منه الأكل كفعل بيولوجي لإشباع الجوع وانما يجتمع حوله الناس تعبيرا عن تماسكهم وتضامنهم وتحالفهم تفاديا للصراعات.
وتفنن الكثير من الأدباء والفقهاء في ذكر أنواع الأكل والطعام عند الأمازيغ وكان من أبرز هؤلاء العلامة السوسي محمد المختار السوسي الذي نظم قصيدة عن “العصيدة” (تاكلا) التي اشتهرت أنها طعام الفقراء وغذاء المتصوفة غير أن المختار السوسي مدحها وأبرز مزاياها وفوائدها وأنها تحضّر من أجود انواع الحبوب ذرة أو شعيرا ومما جاء في القصيدة عن وصف (تاكلا – العصيدة ) للعلامة المختار السوسي:
لمن جفنة قد أقبلت تتألق == تلوح بلألاء العصيدة
يبرق
مسنمة حتى كأن سنامها == شماريخ طود لم يكد
يتسلق
وقد فغمت منها الخياشيم نكهة == تطيب بها كل النواحي
وتعبق
لها قمة في وسطها حوض زبدة == كجابية الشيخ العراقي
تفهق
…….
أدام لنا الله العصيدة ما غدت == مصارين بطن الجائعين
تنقق
وعن فضيلة “تاكلا” كرمز للطبخ الأمازيغي وتناوله مع الجماعة يعني انخراطه في فعل ثقافي، فالاجتماع على أكل “تاكلا”- العصيدة- ليس مقصودا منه الأكل كفعل بيولوجي لإشباع الجوع وانما في تقاسم الطعام دعما لتماسكهم وتحالفهم وتأسيسا مستمرا لنظام الجماعة وقيمها ولذا تعتبر “تاكلا” الطعام الطقوسي الذي تتقاسمه الجماعات والعائلات (لا الأفراد ولا الأشخاص).
“تاكلا” أو “بركوكس” أو “سكسو” هو الطعام المميز للسكان الأمازيغ في شمال افريقيا .. انه الطعام القومي الأمازيغي منذ الاف السنين كما وصفه ذ. محمد شفيق.. انه رمز لعالم الثقافة والجماعة البشرية ويؤسس لقيم التضامن والتعاون والتحالف وهو ما يجعل منه الطبق المفضل لذى الأمازيغ… فهو طعام الفقراء والأغنياء والوجهاء وأكلة الاحتفالات والضيوف والصداقات والعطايا والقرابين حتى صار رمزا للرخاء والرفاهية والخصوبة بالنظر الى كثرة حبوبه ووفرتها خصوصا في النوع المعروف منه باسم بركوكس ( كما جاء على لسان لاكوست).
“ءيض يناير” هو فعل ثقافي وميثاق اجتماعي يتقاسم الناس فيه الطعام تعبيرا عن تماسكهم وتحالفهم وتثبيتا لهويتهم وانتمائهم لجماعة بشرية …وليس مجرد احتفالات فولكلورية وموسمية باردة.
ذ. محمد بادرة


التعاليق (0)